هل جربت السبي؟ – الراهب صليب الصمؤيلي

كارت التعريف بالمقال


هل جربت السبي؟

من لم يدخل الحرب لم يعرف معنى السبي, فالسبي هو من تباعيات الهزيمة, إذ يأخذ الغالب المغلوب كأسير ويجرده من موطنه وأقاربه وحياته, ويعزله في مكان بعيد يُعامَل فيه كعبد, ويظل في السبي إلى أن يموت أو يجد من يحرره.

لعلك تقول: نشكر الله أني لم أجرِّب هذه الضيقة وهذه الحالة القاسية.

ولكن هناك سبي من نوع آخر, لا أظن أن أحداً لم يختبره, ألا وهو سبي الأفكار.

الفكر يقود الإنسان,.

والعقل دائم التفكير,.

والأفكار على أنواع, منها الصالح ومنها الطالح.

فهناك أفكار تحلق بالإنسان إلى أفاق عالية في السماء.

وهناك أفكار كحمل الجبال وثقل التلال تحني الإنسان وتنحدر به إلى أعماق الأرض.

كل هذا والإنسان لايزال في مكانه, لم يتحرك.

ولكنه نوع من السبي الداخلي الذي يفوق السبي الخارجي في قساوته وتجبره.

والآن كيف أتحرر من هذا السبي؟!!

لعله سؤال يتبادر إلى ذهنك, يبحث له عن إجابة,.

ولكن يا ترى أين تكون إجابته؟.

لعلها عند الحكماء والفهماء,.

أو الفلاسفة والأدباء,.

أو الدارسين والعلماء.

ولكني موقن أنها عند الله.

هل تظن يا أخي أن الله قد يتركنا دون شاهد له!! ,.

أو أن الله تبارك اسمه ليس عنده إجابة لكل سؤال!!.

فقط يجب علينا أن نفتش الكتب التي نظن أن لنا فيها حياة وهى التي تشهد لله.

ماذا يجيب الكتاب المقدس عن هذا السؤال؟

لكي يجيب الكتاب المقدس لنا عن هذا السؤال, وهو كيف أتحرر من هذا السبي؟ , كان لابد لنا أن نعرف أولاً كيف يحدث السبي؟ وذلك لتوخي الحذر من الوقوع فيه أو للوقاية منه.

p.

إن الخير والشر, الحياة والموت مجرد أفكار تُعرَض على الإنسان, فتقع بذار الأفكار على تربة القلب لعلها تجد مناخ مناسب لكي تنمو, وكلما نمت وتأصلت في القلب كلما صعب إقتلاعها, وهذا أمر جيد جداً بالنسبة لبذار الأفكار الإلهية, ولكن بالنسبة لبذار الأفكار الشريرة فهذا هو السبي الذي نريد أن نتخلَّص منه قبل أن يتأصل فنعاني من وجوده ومن الإحتياج الشديد لإستئصاله.

ويخبرنا الكتاب المقدس عن أول خطية في تاريخ البشرية, وكيف كانت مجرد فكرة مرتديه ثياب الحملان وحامله حكمة وبرهان, ورابضه عند باب قلب الإنسان ملتمسه الإذن بالدخول, فهى ليست لها القدرة على إقتحام القلب ولكن حينما تدخل إلى القلب تتسلط على الإنسان بكامله, ويصبح الإنسان أداة في يد الأفكار حيثما شاءت تميله وتوجهه دون أدنى مقاومة.

وفي هذه الحالة لابد من تدخل العناية الإلهية التي تحل المأسورين, ولذلك قال الرب: "فإن حرركم الإبن فبالحقيقة تصيرون أحراراً".

كيفية الوقاية من السبي؟

1 - إن كانت الأفكار الشريرة كبذار الزوان توضع من العدو على تربة القلب, فما أسهل إقتلاعها من جذورها قبل أن تنمو وتتأصل ويصعب بعد ذلك إستئصالها. ويتسائل الرب في شفقة ورغبة لخلاص خليقته: "إلى متى تبيت في وسطك أفكارك الباطلة" (أر 4: 14) , وكأنه يقول: إلى متى تترك بذار الأفكار الباطلة تنمو وتتأصل فيصعب بعد ذلك إقتلاعها. ولذلك يقول داود النبي: "طوبى لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة" , ويقصد بالأطفال بذار الأفكار الشريرة, والمسيح هو الصخرة. ولكي يخلصنا الله من الإساءة للقريب قال لنا موصياً: "لا يفكر أحد منكم شراً على أخيه في قلبكم" (زك 7: 10) , وإذ يستئصل الإنسان من قلبه بذار الأفكار الشريرة يحمي نفسه من ثمارها الشريرة.

2 - لا تدخل في الحوار مع الأفكار الشريرة, إذ لها من الحيلة والمكر والخداع بأن تتسرَّب إلى داخل القلب خلال حوارها معك دون أن تدري كما حدث مع حواء فبدأت تُسيطر على عقلها وحواسها ويدها وفمها, وهكذا أكملت الخطية بسبب الحوار مع الأفكار. وهنا أتذكر كلمة لأبي الروحي حينما قال لي: هناك فضيلة تُسمى لمح الفكر, أي طرد الأفكار الشريرة بمجرد لمحها دون الدخول في تفاصيل الحوار والمناقشة. وهذا أسلم بنا من الدخول في حوار, لا أظن أن فيه تكافأ في الحكمة والقوة التي إن قورنت فاز الشيطان في مواجهة البشر بلا منافس أو مقاوم.

3 - حينما تداعب طفل في حضرة والده بشكل يخيفه, سوف تجده بلا تردد وبشكل تلقائي يحتمي في والده الذي يثق في محبته وقوته, وهكذا... الأحرى بنا أمام سهام العدو الملتهبة أن نهرب إلى أسم ربنا يسوع المسيح ونتمنَّع فيه وبه.

4 - بما أن العقل يتغذى بالأفكار, وهو لا يهدأ على الإطلاق سواء في اليقظة أو النوم. فلكي لا يتغذى بأي فكرة من الطرق والسياجات التي تكون قد تلوثت من البيئة المحيطة أو من عدم الإهتمام, غذيه أنت إذن بأفكار جيدة وإشغله بكل ما هو نافع من خلال قراءاتك وتأملاتك وكلام إلهنا الصالح أولاً وأخيراً, وهكذا إشبعه وإملئه, فلا يعد فيه مكان لأي أفكار أخرى.

"فالنفس الشبعانة تدوس العسل وللنفس الجائعة كل مر حلو".

(أم 27: 7).

المحتويات