نياحة أنبا بولا أول السواح – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » نياحة أنبا بولا أول السواح – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

آخر تحديث: 12 مايو 2020

نِيَاحَةُ أَنْبَا بُولاَ أَوَّلِ السُّوَّاحِ

كان أنبا بولا أول المتوحدين في مصر عمومًا، باعتبار أنه قضى حياته كلها في الوحدة دون أن ينزل مرة واحدة إلى العالم، وقد أخبر القديس أنطونيوس الكبير الشيء الكثير عن حياته... كان متعلمًا يتقن الخط القبطي واليوناني، إلا أنه ترك الغنى والمال بإختياره، وارتمى في حضن الله، بعيدًا بعيدًا في سفح جبل العربة بالبحر الأحمر (دير الأنبا بولا الحالي)، طائعًا مختارًا يعيش الوحدة مع الله، معتمدًا على شجرة نخيل في غذائه، وفي صنع ملابسه من الليف.

ظل في توحده المطلق متوحدًا عن العالم إلى سنة ٣٤١ م، حتى أُعلن للأنبا أنطونيوس برؤيا إلهية، فقام بزيارته وتسلم منه سر حياته وتقواه، وأذاعها للعالم كله.

ومن المعروف أن القديس چيروم هو الذﻱ دوّن سيرته، ذاكرًا أن الأنبا أنطونيوس فتش عليه في الجبال الموحشة المترامية حتى وجده وطرق بابه قائلاً: أنت تعلم من أنا؟ ولماذا جئت وأتيت؟ وإنني لا أستحق النظر إليك كي أراك، وإذا كنت تستقبل الوحوش ولم تستقبل أﻱ إنسان، لكني طلبت فوجدت وسأقرع حتى يفتح لي!! وبينما التقيا وتحدثا جاء الغراب ومعه خبزة كاملة بينما كان يأتي لمدة ٦٠ عامًا بنصف رغيف فقط، لكن في حضور أنبا أنطونيوس ضاعف المسيح نصيب جندييه. وأخيرًا أحضر القديس أنطونيوس تونية البابا أثناسيوس الرسولي التي كان قد أهداها له، ليدفن بها هذه الوديعة الغالية، التي لم يكد العالم أن يسمع عنها، حتى تركته راحلة إلى المجد، محمولة بالملائكة، كمدينة على جبل ولم يكن العالم مستحقًا له.

واستطاع أنطونيوس العظيم أن يعكس شعاعه الأخير في اللحظة الأخيرة على العالم، الذﻱ ظل حتى اليوم يحلل أطيافه ويترجم ألوانه السمائية المبدعة وتأثير الإنجيل المباشر في حياته وإحساساته وطريقة معيشته، لا في حلة ليف وجسد نحيل ناسك، لكن في حلة بهية منسوجة بالفضيلة، وبصوت مسبح بلحن الانتظار للمواعيد المستمدة من الروح والرجاء الموضوع نحو الفرح الآتي، يطعمه المسيح بخبز السماء؛ ويشده إليه ليسير بسيره على الجبال العالية من جبل التجربة للتجلي للجلجثة للزيتون، في انجذاب المثيل إلى مثيله، لتخبرنا هذه السير عن نموذج لمشاهد لم نراها وتخبرنا عن أمور لم نكن نعلمها عن هذا البار الذﻱ حسب عار المسيح غنىً أعظم من كل الخزائن لمن كان ينتظر المجازاة، تائهًا في البرارﻱ والجبال وشقوق الأرض، وهو مشهودًا له كمواطن سماوﻱ طلب الوطن الأفضل ومشتهيات الأبرار المكتوبة بمواعيد الله الصادقة غير الكاذبة؛ وبدلاً من الثياب الخشنة والجسد الهزيل الشاحب والجهالة وحياه القفر الموحشة؛ نال الجنات والفراديس والفرح الدائم.

السلام لك أيها الصديق أنبا بولا أول السواح ساكن البرارﻱ المرتفع بالفضائل... الذﻱ استحق أن ينال خبز السماء من يد الملاك كما إيليا النبي، السلام لصديق الملائكة الذﻱ صار كالسمائيين، اطلب من الرب عنا ليقبلنا ويصنع معنا رحمة كعظيم رحمته.

6 فبراير 2014.