متاح للجراح – الراهب صليب الصمؤيلي


متاح للجراح...

كلما راودتني صورة ذلك الإنسان,.

وأشعر بكم المشاعر التي أغدقتها عليه,.

وكم من الوقت إستغرقت في الإنتظار ملتمساً تجاوبه مع مشاعري, وماذا كافأني نظير محبتي له,.

أجد نفسي وقد صرت صخرة صلبة على شاطئ بحر الحياة,.

ترتطم بها الأمواج,.

وتصتدم بها العواصف والرياح,.

حتى الصخور التي إلتجأت إليها, ظناً مني أنها ستحميني,.

تحتويني, وتحتضني,.

تشاركني تلك الآلام فتخفف عني,.

هذه الصخور التي من طبيعتي,.

نحيا معاً في نفس المكان والزمان,.

تربطنا وحدة الأفكار, وتهددنا نفس الأخطار,.

هذه الصخور,.

إنهالت فوق رأسي,.

ورشقتني من كل جانب فجرحتني,.

ودفعتني إلى أيدي أعدائي دون رحمة أو شفقة.

وصارت آلام الجروح التي من هذه الصخور أعظم من كل الآلام.

صرت نزيلاً في بيت أبي, وغريباً عند بنو أمي,.

مجروحاً ومطروداً, حِملاً لا يُحتمل.

وأصبحت لا أدري ما أنا؟... لا شئ... لا شئ.

لم أطلب يوماً مال أحد, ولا أشتهيت ما تملكه صخرة ما,.

ولم أكن أحتمل أن يكون عندي ما يفتقر إليه آخر, حتى لو لم أكن أملك سواه, فقد تأثرت بالأرملة التي أعطت من أعوازها.

فرحت مع الفارحين, وبكيت من أجل المتألمين,.

وأردت أن أزرع البذار في النفوس, ملتمساً يوم الحصاد.

فما أشهى ثمار المحبة بين أخوة.

وكنت لا أصغي, ولا أبدي أهتماماً لصيحات التحذير,.

تلك التي لبست ثوب الحملان لتُميل قلبي إليها,.

وبحكمة الحيات قالت لي: هل من عاقل يزرع صخور؟!!!.

ولكن قلت في نفسي: ومن يعلم؟!!.

لعل الذرات الدائمة الحركة داخل هذه الصخور تُلين قلبها,.

ولعل عوامل التعرية من رياح وأمطار وبحار تُذيب قساوة سطحها,.

وإن كان هذا العمل تُحاوطه الشكوك,.

فمن المؤكد أن هناك حقيقة لا تقبل الشك,.

"الله ليس بظالم حتى ينسى تعب وعمل المحبة" ,.

ومن "يرمي خبزه على وجه المياه فإنه يجده ولو بعد أيام كثيرة".

ولثقتي في الله, ولحبي له, أقدمت على هذا العمل بكل نشاط.

وكنت فرحاً حينما أخدم, وأساعد من حولي,.

وكان الفرح يزداد كلما وجدت من يسمح لي أن أحبه,.

وأتبادل المحبة الإلهية معه, وأحياها.

فلم تعد وصية مكتوبة, بل حياة معاشة.

ولكن...

في غفلة إنحرفت عن الطريق السليم,.

فتبدَّل الدافع الذي كان يقودني ويدفعني في هذا العمل,.

لم يعد الله ومحبته والثقة في وعوده, ولكن الذات.

ذاتي التي أرادت أن تشعر بأنها موجوده, ومطلوبه, ومحبوبه.

ولم تعد عيني ترى الله, الذي كان مركزاً لكل خطوة أخطوها,.

ولم تعد المشاعر الملتهبة بيني وبين الله تتدفق إلى القلب,.

فقد إمتلأ القلب من المشاعر الغريبة, ولم يعد يحن إلى تلك المشاعر الإلهية,.

حتى الفكر نسى محبته, ولم يعد ينشغل بمخافته ورضاه,.

ولا حتى بمجازاته, وإنتظار أجرته,.

تلك الشرارة التي ألهبتني بنار الإيمان العامل بالمحبة, ودفعت عني كل مقاومة تمنعني من البدء في العمل.

والآن... أصبح ينتظر المجازاة من هذه الصخور,.

تلك التي يراها, ويسمعها, وينشغل بها, وينتظرها.

ولكن...

بعد أن ظهرت الحقيقة واضحة كالشمس.

لم يعد لي ثقة في التعامل مع الصخور,.

ولا أعلم كيف أرجع إلى أبي, الذي فقدته في غفلة ومفتقده بشده.

ولا أعلم أين أنا؟ وإلى أين أسير؟

لقد فقدت البوصلة, ولا أحد يعرفني,.

ضاع المهرب مني, وليس من يسأل عن نفسي.

صرت إنسان بلا هاوية, ومُتاح للجراح.

ولكن...

أنتظر أبي...

نعم, فلي إيمان أنه يبحث عني,.

حتى ولو لم أجده, وصرت تائهاً, لا أعرف شئ.

لكن أعرف كم يحبني أبي,.

وسوف لا يهدأ حتى يجدني,.

وسيجدني....

لذلك أنا مطمئن.

المحتويات