ما معنى شركاء الطبيعة الإلهية – المهندس مكرم زكي شنوده

الرئيسية » مقالات » ما معنى شركاء الطبيعة الإلهية – المهندس مكرم زكي شنوده.

آخر تحديث: 11 أكتوبر 2019

أولاً : مقدمة عن : بدعة تأليه الذات :-

مؤسسها هو إبليس , الذى قال :- [ أصير مثل العلى ] أش 14 :14 ، مما أدى لسقوطه من السماء إلى هاوية الجحيم ، فتحول من ملاك نورانى إلى شيطان إظلامى 0

وهو نفسه الذى أغوى حواء بفكرة تأليه الذات قائلا :- [ تكونان كالله ] تك 3 :5 0

والشيطان — أيضاً– هو الذى سيغوى إنسان الخطية لكى يتكبر :- [ مظهراً نفسه أنه إله ]2 تس 4:2 .

فلنحترس من هذا الفكر الشيطانى ، ولنتمسك بفكرالرسل القديسين الذين لم يتكبروا — بسبب تسمية الله للمؤمنين بأنهم أحباء وأبناء بالتبنى — بل قابلوا الحب بالتواضع ، وتمسّكوا بأنهم عبيد المسيح ( في 1:1 ، 2 بط 1:1، يه1 ).

وبعكس هيرودس الملك (أع12: 23) الذى تملقه أصحاب المصالح الشخصية ، ووصفوه بأنه إله ، فلم يطع الوصية القائلة :- [ إن تملقك الخطاة فلا ترضى ] أم 10:1 ، فلم يعترض عليهم ، ولم يعطى المجد لله ، الإله الواحد وحده . لذلك ضربه ملاك الرب ، فصار الدود يأكله حتى مات .

وبعكس هيرودس هذا ، فإن بولس وبرنابا الرسولين ، عندما قال الناس عنهما أنهما آلهة ، فإنهما رفضا ذلك بكل قوتهما ، حتى أنهما شقا ثيابهما ، متمسكين بعبوديتهما لله ( أع 14 :14)

وحتى الحكمة الشعبية تعبرعن ذلك بالمثل الشعبى :- إن أنت أكرمت الكريم ملكته ، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرد

نقطة أخيرة ، من الناحية اللغوية البحتة ، وهى أنه يوجد فارق هائل بين أن تتأله ، أى أن تدعى الإلوهية ، وبين أن تستألِه ، أى أن تتشبه بالله في صفاته، مثل القداسة والمحبة وصنع الخير للجميع وهذه النقطة الأخيرة تشبه وصفك لإنسان بأنه يستأسد ، أى أنه يتشبه بالأسد في صفاته ، وليس بمعنى أنه يتحول فعلياً إلى أسد .

  • إذن، فلنحترس من خطية التأله ، ولنجتهد في فضيلة الإستئلاه، أى التشبّه بالله ، في قداسته ومحبته .

 ثانياً : النص ، فى لغته الأصلية ، اليونانية القديمة العالمية ، هو :-

Theias koinwnoi fusews ، وليس فيه الحرف : ” فى en ” ، مثلما يكون فى آيات أخرى ، مثل :

1 — [ وتقولون لو كنا فى أيام آبائنا ، لما شاركناهم فى دم الأنبياء ] مت23: 30 ، وباليونانية :

( koinwnoi autwn en tw aimati … )

2 – [ شريككم فى الضيقة وفى ملكوت يسوع المسيح ] روء1: 9

( sugkoinwnos en ty thlipsei kai en ty basileia )

3 – [ ليشارك الذى يتعلم الكلمة ، المعلم ، فى جميع الخيرات ]غل6: 6 .

( en pasin agathois koinwneitw de o katyxwmenos ton logon tw katyxounti )

4 – كما يتماثل ذلك مع الآيات التى تستخدم الأداة : ( eis ) بمعنى : فى ما لغرض ، أو : فى ، مثل :

[ لم تشاركنى كنيسة واحدة فى حساب العطاء … ] فى4: 15

( oudemia moi ekklysia ekoinwnysen eis logon dosews … )

كما أنه فى اللغة القبطية : ” إشفير إن إتفيسيس ” ، وأيضاً ليس فيه الحرف القبطى : ” خين “، أى : “فى” ، مثلما يكون موجوداً فى الآيات المذكورة ، مثل : [ لَمَا شاركناهم فى دم الأنبياء ]  : –( نان نا شوبى إن أوى إنشفير إيروؤ آن بى ، خين إب إسنوف …. )

كما أن ترجمته  الإنجليزية : partakers of (the) divine nature ، ليس فيه الحرف : ” فى in , “، مثلما يكون موجوداً فى الآيات المذكورة ، مثل : [ لما شاركناهم فى دم الأنبياء ] : — ( we would not have been partakers with them , in the blood of the prophets )

ونضيف ملحوظة هامة ، وهى أنه فى موضوع العقيدة ، لا ينبغى الإعتماد على الترجمة الإنجليزية وحدها ( ولا حتى الترجمة الشهيرة : كينج جامس ) وذلك لإضطرار المترجم لإستخدام كلمات إنجليزية عديدة لترجمة نفس الكلمة اليونانية الواحدة ، مما يبعدنا عن روح النص الأصلى ، فعلى سبيل المثال ، تمت ترجمة كلمة koinwnew ومشتقاتها ، بالعديد من المفردات الإنجليزية ومشتقاتها ، مثل :

Partake , communicate , participate , share , follow , contribute , distribute , companion .

وقد يكون ذلك تبعاً لمقتضيات الترجمة ، ولكنه أيضاً قد يكون — أحياناً — لخدمة وجهة نظر المترجم والجماعة التى ينتمى لها ، مما يؤدى لمساحة من عدم الدقة والوضوح ، مما يفتح المجال للهرطقات ، خصوصاً وأن الترجمات العربية الواسعة الإنتشار ( وهى مترجمة عن الإنجليزية أساساً ) ، هى أيضاً معمولة لتخدم وجهات نظر مموليها وناشريها ، فتكون المحصلة  مزيداً من عدم الوضوح .

وإن وجود الحرف اليونانى :- ” en ” ( أىّ :- ” فى ” ) مقترناً بالكلمة اليونانية : ” koinwnew ” ( أىّ :- يشترك ) يبطل ما قد يدعيه البعض بأن هذه الكلمة اليونانية – بمفردها – تعنى :- ” يشترك فى ” ، معاً . إذ لو كان الأمر كذلك فعلاً ، لما تم إستخدام الحرف ” en” معها — فى الآيات السابق ذكرها — وإلاً أصبح ذلك من التكرار الزائد العديم اللزوم .

كما أن تعبير : ” المشاركة ” ، ذاتها ، تستلزم وجود : ” أطراف ” ( إثنين أو أكثر ) مشتركين فى هذه المشاركة ، كما يستلزم وجود : ” عنصر مشترك ” ، يشتركون فيه .

ووضع الحرف :- ” فى ” ، أو ما يقوم مقامه ، يحدد هذا العنصر المشترك بكل وضوح ، بما يُغنى عن الحاجة إلى التفسيرات .

وأما الحالات التى لم يتم فيها إستخدام حرف أو أدة المعنى ، فيتم فهم معناها من سياق الكلام . ولكن ، حتى لو كانت الحاجة للتفسيرات قائمة — فى حالة عدم وجود حرف أو أداة المعنى – فإن التفسير يجب أن يتقيد بقاعدة عدم التناقض بين آيات الإنجيل ، فلا يتم التفسير إلاًّ بعد فحص دقيق جداً لكل كلمة فى الكتاب المقدس كله ، فيما يخص تفسير هذه الجزئية ، ولا يكون ذلك بالتسرع ، بل بمخافة الله ، لئلا ينزلق الإنسان إلى الهرطقات ( البدع ) ، كمثل المكتوب عنهم : [ فيها أشياء عسرة الفهم ، يحرِّفها غير العلماء وغير الثابتين …. لهلاك أنفسهم ] 2بط3: 16و 17 ، والعلم المقصود هنا ليس هو الفلسفات الباطلة ( التى نشأت فى حضن الوثنية ) بل العلم النابع من الله الكلمة ذاته : [ فكر المسيح ] 1كو2: 16 ، الذى يجعل الإنسان قادراً على مقارنة الروحيات بالروحيات ، بعيداً عن العلم الكاذب الإسم الذى للهراطقة .

فعلى سبيل المثال ، فى الآيات : [ شركاء المذبح ] 1كو10: 18 ( koinwnoi tou thusiastyriou )، وأيضاً : [ شركاء الشياطين ] 1كو10: 20 ( koinwnous twn daimoniwn ) ، لا يمكن فهمهما بأنهما تعنيان الشركة فى ذات المذبح نفسه ( وكأن هولاء الناس سيتحولون إلى حجارة مثل حجارة المذبح ، فعلياً ، بمجرد أكلهم من ذبائح الأوثان !!!!! ) ، أو فى ذات الشياطين نفسهم ( وكأن هولاء الذين يخاطبهم بولس الرسول ستتلاشى أجسادهم ويتحولون فعلياً إلى شياطين ، بكل معنى الكلمة ، بمجرد أن يأكلوا من ذبائح الأوثان !!!!! ) ، فبالرغم من أن العبارة لم تحتوى على حرف معنى يحدد الذين يشتركون وما هو عنصر المشاركة ، إلاَّ أنه يمكن فهمهما من سياق الكلام ، بأن شركة المذبح المقصودة ، هى الشركة مع المذبح فى ذبائحه التى تقدم لعبادة الشيطان ، وليس فى المذبح ذاته . كما أن شركة الشياطين تعنى الإشتراك معهم فى رفضهم لوصايا الله و شرهم و ظلاميتهم ، وليس فيهم ذاتهم … إلخ .

وبالتالى ، فإن الترجمة باللغة العربية ، الموجودة فعلاً بين أيدينا : [ شركاء الطبيعة الإلهية ] ( بدون وجود الحرف :- ” فى ” ) هى الترجمة الصحيحة فعلاً .

وذلك يعنى أننا نشترك مع الطبيعة الإلهية فى عنصر مشترك ، وليس أننا نأخذ الطبيعة الإلهية ذاتها !!!!!

وهذا العنصر المشترك ، يحدده سياق الآية ذاتها :- [ الذى دعانا بالمجد والفضيلة ، اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة ، لكى تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية ، هاربين من الفساد -الذى فى العالم -بالشهوة ] 1بط1 :3و4 .

أى أن العنصر المشترك ، هو القداسة ، فالمقصود هو الشركة فى طبع القداسة ، الذى لله ، مثلما هو مكوب : [ كونوا قديسين لأنى أنا قدوس ] 1بط1: 16 .

وهو العنصر الذى تركز عليه رسائل بطرس الرسول ، مثلما فى :-

  1. [ إلى المتغربين … المختارين بمقتضى علم الله السابق ، فى تقديس الروح ] 1بط1 :1و2 .
  2. [ لا تشاكلوا شهواتكم السابقة فى جهالاتكم ، بل نظير القدوس الذى دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين ] 1بط1 :14 .
  3. [ لأنه مكتوب ، كونوا قديسين ، لأنى أنا قدوس ] 1بط1: 16 .
  4. [ أطلب إليكم كغرباء ونزلاء ، أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس ] 1بط2: 11 .
  5. [ زمان الحياة الذى مضى ، يكفينا لنكون قد عملنا إرادة الأمم ، سالكين فى الدعارة والشهوات ] 1بط4: 3 .
  6. [ لذلك لا أهمل أن أذكركم دائماً بهذه الأمور … عالماً أن خلع مسكنى قريب ] 2بط1: 12- 14 .
  7. [ لأنه إذا كانوا بعدما هربوا من نجاسات العالم ، بمعرفة الرب والمخلص يسوع المسيح ، يرتبكون فيها أيضاً ، فقد صارت لهم الأواخر أشر من الأوائل ] 2بط2: 20 ………………… إلخ .

 ثالثاً : وما الفارق بين : ” شركاء الطبيعة الإلهية ” ، وبين : ” شركاء فى الطبيعة الإلهية ” ؟؟؟

الفارق كبير جداً :-

فالأولى تعنى وجود عنصر مشترك — كما سبق وأوضحنا — بينما الثانية تعنى أننا نأخذ جزءاً من الطبيعة الإلهية ذاتها ، نأخذ جزءاً من جوهر اللاهوت ذاته ، وهو أمر مستحيل ، لأن اللاهوت لا يتجزأ ولا يتوزع ( منشأ هذه الفكرة الغريبة ، هو الفلسفات الوثنية ، التى كان الوثنيون يختلقونها لتفسير تعدد الآلهة فى ديانتهم ، فقد كانت الفلسفة — عندهم — خادمة لدياناتهم ) .

ولم يقل الإنجيل أبداً أننا نحصل على جزء من جوهر اللاهوت ، ولم يقل أبداً أن اللاهوت يتجزأ ، بل إنه يرفض تجزئة اللاهوت نهائياً . + فعندما يقول :- [ فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ] كو2: 9 ، فإنه بذلك يغلق الباب فى وجه مَن قد يظنون أن اللاهوت يمكن أن يتجزأ .

فالشركة فى العنصر المشترك ، لا يعنى الإشتراك فى الجوهر الإلهى .+ بل إننا نكون شركاء لله إذا إتصفنا بصفات مشتركة معه مثل القداسة والنورانية . بينما نكون شركاء للشياطين إذا سلكنا فى الظلمة ، مثلهم ، ولذلك مكتوب :

  1. [ إن قلنا أن لنا شركة معه ، وسلكنا فى الظلمة ، نكذب ولسنا نعمل الحق ، ولكن إن سلكنا فى النور ، كما هو فى النور ، فلنا شركة بعضنا مع بعض ] 1يو1: 6و7 .
  2. [ من يفعل الخطية ، فهو من إبليس …. بهذا أولاد الله ظاهرون ، وأولاد إبليس ] 1يو3: 8و9 .
  3. [ فلست أريد أن تكونوا شركاء الشياطين ] 1كو10: 20 .

إذن ، فشركاء الله تعنى الشركة معه فى القداسة والبر والمحبة ، بينما شركاء الشيطان تعنى الشركة معه فى النجاسة والظلامية والحقد ، ولا تعنى أبداً الشركة فى الطبيعة ذاتها ، لا الطبيعة الإلهية ذاتها ولا الطبيعة الشيطانية ذاتها .

رابعاً :ولكن لماذا يقول : [ وأنتم مملوؤون فيه ] كو2 :10 ؟؟

الإنجيل يعلن أن الرب يسوع هو اللاهوت الكامل (كو2 :9) المتحد بناسوت كامل :- [ والكلمة صار جسداً ] يو1 :14 ، وأيضاً :- [ لذلك لا يستحى أن يدعوهم إخوة … فإذ تشارك الأولاد فى اللحم والدم ، إشترك هو أيضاً فيهما .. كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شيئ .. حتى يكفر خطايا الشعب ] عب2: 11- 17 .

فإنه هو كل ملء اللاهوت المتحد بكل ملء الناسوت ( ماعدا الخطية ، الدخيلة على الخلقة البشرية الأصلية ، إذ لم توجد فيها إلاّ بعد سقوط آدم وحواء فى العصيان ) .

فإن ناسوته هو القمة العليا للبشرية ، وهو المثل الأعلى ، لذلك يـُـلقــَّب بأنه رأس البشرية . ولذلك مكتوب : [ إلى أن ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة إبن الله ، إلى إنسان كامل ، إلى قياس قامة ملء المسيح ] أف4: 13 .

فعندما يقول : [ إلى إنسان كامل ، إلى قياس قامة ملء المسيح ] ، فإنه يقرر بأن : ” قامة ملء المسيح ” ، تعنى : ” المسيح الإنسان الكامل ” ، أى : ” ملء الناسوت ” ( المتحد به ملء اللاهوت ، بغير إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير ، ولا إنفصال ) ، فإن الإنجيل هنا لم يقل بأننا سننتهى إلى : ” إله كامل ” ، بل قال : [ إلى إنسان كامل ] ، محدداً بكل دقة طبيعة الكمال الذى يمكننا الوصول إليه ، بأنه الكمال الإنسانى وليس الكمال الإلهى .

ولزيادة التأكيد ، نشير إلى أن الإنجيل ، عندما يتكلم عن :” قامة المسيح ” ، مثلما فى : [ وأما يسوع فكان يتقدم فى الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ] لو2: 52 ، فمن الواضح أنه يتكلم عن المسيح ناسوتياً ، لأن الناسوت هو الذى ينمو . +++ فإن وجود ملء اللاهوت — المتحد بالناسوت ، والغير قابل للتغير وللنمو — لم يتعارض مع نمو الناسوت فى الحكمة والقامة والنعمة ، حتى يصل إلى ملء القامة الناسوتية ، من كل جوانبها . ++ كما أن وجود ملء اللاهوت – المتحد بالناسوت – لم يتعارض مع إقتبال هذا الناسوت لحلول الروح القدس عليه ، لكى يصل به إلى ملء القامة الناسوتية ( لكى يهبنا ، من خلاله ، هذه النعمة ) ، لكى بهذا الناسوت الأسمىَ ، المتحد به كل ملء اللاهوت ، يصنع الفداء للبشرية ، ويرتقى بها إلى ملء قامته الناسوتية ( وليس لملء اللاهوت ) ، ثم يرتقى به إلى حالة القيامة المجيدة ، فيصبح جسداً ممجداً روحانياً .

وهذا الترقى الناسوتى ، هو المكتوب عنه : [ وإذ وُجد فى الهيئة كإنسان ، وضع نفسه ، وأطاع حتى الموت ، موت الصليب ، لذلك رفــَّـعه الله أيضاً وأعطاه إسماً فوق كل إسم ] فى2: 8و9 .

فإن هذا الكلام لا يمكن أن يقال إلاَّ عن ناسوته ، وليس عن لاهوته ، لأن اللاهوت يمتلك كل الرفعة ، ولا ينقصه شيئ ، حتى يقال أنه حصل على رفعة أكثر مما هو فيه ، لأن اللاهوت دائماً يمتلك السمو والرفعة المطلقة ولا ينقصه شيئ . ++ لذلك فإن الرفعة التى يتكلم عنها الإنجيل ، يجب أن يكون المقصود بها رفعة ناسوته ( المتحد به اللاهوت )، مثلما أن النمو فى الحكمة والقامة والنعمة ، يعود على الناسوت (لو2: 52 )، ومثلما أن التألم والموت والجوع والعطش ، يعودون على ناسوته وليس على اللاهوت ، برغم إتحادهما ( فى وحدانية إتحادية معجزية بدون إنفصال وبدون إختلاط ولا إمتزاج ) .

وهذه الرفعة ، التى نالها الناسوت ( المتحد به اللاهوت ) ، هى المكتوب عنها :

  • [ هذا رفــَّـعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاً ] أع5: 31 .
  • [ وأجلسه عن يمينه فى السموات ] أف1: 20 .
  • [ جلس فى يمين العظمة فى الأعالى ] عب1: 3 .

فمثلما أن إتحاد اللاهوت بالناسوت لم يمنع نمو الناسوت فى القامة والحكمة والنعمة هنا على الأرض (لو2: 52) ، فكذلك أيضاً ، لم يمنع ترفـُّعه فى السماويات .

إذن ، فتعبير : [ إلى إنسان كامل ، إلى قياس قامة ملء المسيح ] أف4: 13 ، تشير إلى الناسوت ، إلى الملء الناسوتى ، بدون أى تعارض مع إتحاد كل الملء اللاهوتى ، فى شخص ربنا يسوع المسيح الواحد ، ولذلك يقول :- [ الذى فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ، وأنتم مملوؤون فيه ، الذى هو رأس كل رياسة وسلطان ، وبه أيضاً ختمتم ختاناً غير مصنوع بيد ، بخلع جسم خطايا البشرية ، بختان المسيح ، مدفونين معه فى المعمودية ، التى فيها أقمتم أيضاً معه ، بإيمان عمل الله الذى أقامه من الأموات ] كو2: 9- 13 .

فمثلما أن الذى ولد ومات وقام هو الناسوت ( المتحد به اللاهوت ) وليس اللاهوت الغير قابل لكل ذلك ، بغير أى تعارض مع الإتحاد المعجزى للاهوت بالناسوت، وكذلك مثلما أن الذى كان ينمو ، هو الناسوت ، بدون تعارض مع الإتحاد المعجزى للاهوت معه ، فكذلك أيضاً ، المقصود بأن ننتهى إلى إنسان كامل ، إلى ملئ قامة المسيح ، هو أن نصل لحالة الجسد المُمجـَّد القائم من الأموات ، الذى هو ملء الناسوتية ، وليس أن نصل إلى ملء جوهر اللاهوت .

هذا الملء الناسوتى ، المتحد به كل ملء اللاهوت ، هو ذبيحة الصليب ، التى وصلت لكمال القامة الناسوتية ( والتى اللاهوت متحد بها ، لكى تكتسب قيمة غير محدودة ، لتصبح كافية للتكفير عن خطايا العالم كله ).

فبالرغم من إتحاد اللاهوت بالناسوت ، فإن الذى مات هو الناسوت ( المتحد به اللاهوت ) ، وهو الذى قام من الأموات وصعد إلى السموات وجلس عن يمين العظمة ، وهو الذبيحة المقدسة ، وهو حمل الله المذبوح عنا ، فإن الناسوت يكتسب — من اللاهوت المتحد به — هذه الأمجاد ، ليس عن إحتياج لذاته هو ، بل ليهبها لنا نحن المحتاجين الفقراء ، لقد إفتقر ، أى إتخذ جسدا فقيراً مثلنا ( بدون الخطية وحدها ، إذ كان على الصورة الأصلية قبل السقوط ) ، لكى يرتفع به إلى حالة الجسد الممجد ، لكى – من خلاله – يمنحنا هذا الغنى العظيم .

وعن ذلك ، مكتوب أيضاً :- [ والكلمة صار جسداً ، وحلَّ بيننا ، ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً ] يو1: 14 ، فإنه هنا يذكر : “الكلمة ” ، أى اللاهوت ، كما يذكر أنه ” صار جسداً ” ، وأنه لذلك — من خلال هذا الجسد – أصبح ممكناً لنا أن نرى حلوله بيننا وأن نرى مجده ، وأن ننال النعمة ، التى أفاضها على ناسوته الخاص ، والمكتوب أنه كان ينمو فيها (لو2: 52) ، والتى منها أخذنا نحن ، حتى أن المريضة التى لمسته بإيمان ، نالت نعمة الشفاء فوراً ( لو8: 16) ، ولذلك مكتوب : [ ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا ، ونعمة فوق نعمة ، لأن الناموس بموسى أعطى ، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا ] يو1: 16و17 .

فإن الملء المذكور هنا ، هو ملء النعمة ، السابق ذكرها فى : ” مملوءاً نعمة وحقاً ” ، والتى تكرر ذكرها فى العدد 17 ، فإننا نأخذ من ملء النعمة — والتى إمتلأ بها الناسوت المتحد به اللاهوت — القابلة للتوزيع ، فيأخذ كل واحد منها نصيباً بحسب عطية المسيح وبحسب إجتهاد الإنسان ( أف4: 7 ، 1بط1: 2 ، 2بط3: 18 ، عب12: 15 ) . وليس من ملء جوهر اللاهوت ، الذى ليس فيه تجزئة وتقسيم وتوزيع .

هذا الملء الناسوتى المتحد به كل ملء اللاهوت ، هو الذى قام من الأموات ( فإن اللاهوت لم يمت ولم يقم ، برغم إتحاده بالناسوت الذى مات وقام ) ، هذا الناسوت هو الذى قام جسداً ممجداً روحانياً ، وهو المكتوب عنه :- [ قام المسيح من الأموات ، وصار باكورة الراقدين ] 1كو15: 20 ، [ هكذا قيامة الأموات ، يزرع فى فساد ويقام فى عدم فساد ، يزرع فى هوان ويقام فى مجد ، يزرع فى ضعف ويقام فى قوة ، يزرع جسماً حيوانياً ( يونانى وقبطى : نفسانياً ) ويقام جسماً روحانياً …صار آدم الأول نفساً حية ، وآدم الأخير روحاً محيياً ..الإنسان الأول ترابى ، والإنسان الثانى الرب من السماء .. وكما لبسنا صورة الترابى سنلبس صورة السماوى أيضاً ] 1كو15: 42- 49 .

فإن الرب قام من الأموات بجسد ممجد روحانى غير مادى وغير ترابى ، لكى يمنحنا هذه النعمة ، فقد أخذ صورة الترابى ، الفقيرة الضعيفة المملوءة هواناً ، لكى يمنحنا صورة الجسد الممجد الروحانى السماوى .

وعن ذلك مكتوب أيضاً : [ الذى سيغيـِّر شكل جسد تواضعنا ، ليكون على صورة جسد مجده ] فى3: 21 .

وعن تغييرنا إلى صورة قيامته المجيدة ، مكتوب أيضاً : [ الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة إبنه ] رو8: 29 .

وعن وجودنا — فى القيامة — فى صورة جسد القيامة الممجد الروحانى ، مكتوب أيضاً : [ إذا أظهر ، نكون مثله ( يونانى : شبهه) ، لأننا سنراه كما هو ] 1يو3: 2 .

وعن حصولنا — فى القيامة — على هذه الصورة الممجدة الروحانية ، فنكون أجساماً روحانية ، مثل الملائكة ، سكان السماء ، قد سبق الرب فقال عن قيامتنا :- [ يكونون كملائكة الله فى السماء ] مت 22: 30 .

خامساً : وما معنى الآية : [ لتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة ، لكى تمتلئوا إلى كل ملء الله ]أف3: 19 .

لكى نفهم هذه الآية ، سندرس آية أخرى ، مشابهة لها فى تركيبها فى اللغة الأصلية اليونانية ، وهى :- [ لا يخسركم أحد الجعالة …وغير متمسك بالرأس ، الذى فيه كل الجسد … ينمو نمواً من الله ] كو2: 18و19 .

فإن :” ينمو نمواً من الله “، فى لغتها الأصلية اليونانية هى :- auxei tyn auxysin tou theou والتى تترجم حرفياً إلى : ” ينمو نمو الله ” ، وهو ما يتشابه مع الآية التى تسأل عنها : ” تمتلئوا إلى كل ملء الله ” .

ومثلما أن : ” نمو الله ” ، لا تعنى أن الله نفسه هو الذى ينمو ، ولا أننا سننمو إلى مستوى نموه . +++ بل تعنى : النمو الذى بحسب النظام والقياس الذى وضعه الله لنا .

فكذلك أيضاً : ” تمتلئوا إلى كل ملء الله ” ، تعنى أن نمتلئ إلى الملء الكامل بحسب النظام والمقياس الذى وضعه الله لكل إنسان ، وليس أننا سنتطوَّر إلى الحالة اللاهوتية ( وهى فكرة وثنية ، نادى بها فلاسفة الوثنية ، وليس لها أى علاقة بالفكر المسيحى) .

وإختلاف مستويات النمو فى النعمة ، تعبر عنه آيات كثيرة ، وهو مرتبط بالجهاد الروحى فى إستثمار المواهب الممنوحة لنا ، كلٌ بحسب مستوى وزناته ، فصاحب الوزنة الواحدة ، يكون مطالباً بالنمو والإمتلاء إلى مستوى ومقياس مختلف عما يـُطالب به صاحب الوزنات الخمسة ، ولكن ذلك لا يعفيه من إستثمارها ، فيعطى ثلاثين أو ستين أو مائة ، إذ لا حجة لعدم الحصاد .

وإختلاف المستويات أو الوزنات لكل واحد ، بحسب المشيئة الإلهية ، تعبر عنه آيات كثيرة ، مثل : —

[ فإنى أقول بالنعمة المعطاة لى ، لكل من هو بينكم ، أن لا يرتئ فوق ما ينبغى ، بل يرتئ إلى التعقل ، كما قسم الله لكل واحد مقداراً من الإيمان … لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا ] رو12: 3- 6 .

[ لكى تثبتوا كاملين وممتلئين فى كل مشيئة الله ] كو4: 12 .

[ لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح ] أف4: 7 .

فالحد الأقصى للنمو لجميع البشر ، هو أن نكون على صورة جسده ، القائم من الأموات الممجد الروحانى .

( سادساً ) وما معنى حلول الروح القدس على الناس ، وإمتلائهم به ؟؟؟

( 1 ) لكى لا تختلط الأمور ، يجب التمييز — أولاً — بين حلول الروح القدس ، وبين إتحاد كل ملء اللاهوت بالناسوت فى شخص ربنا يسوع المسيح ، أى تجسد الكلمة ، لذلك سنبدأ بشرح هذه النقطة :-

( أ ) تجسد الله الكلمة ، مكتوب عنه :- [ والكلمة صار جسداً وحلًّ بيننا ] يو1: 14 ، فمعنى أن الكلمة — الذى هو الله يو1: 3 – صار جسداً ، هو أنه تجسـَّد ، أى أن اللاهوت إتحد بالناسوت .

( ب ) وذلك الأمر المعجزى ، يعلن عنه الإنجيل ، منذ بشارة الملاك للسيدة العذراء :- [ الروح القدس يحلَّ عليكِ ، وقوة العلىِّ تظللكِ ، فلذلك أيضاً القدوس المولود منكِ يــُدعىَ إبن الله ] لو1: 35 .

فمعجزة الحبل المقدس ، الذى ليس له مثيل فى الخليقة كلها ، كان ليناسب معجزة إتحاد اللاهوت بالناسوت ، وعن ذلك قال الملاك ليوسف :- [ هوذا العذراء تحبل وتلد إبناً ، ويدعون إسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا ] مت1: 23 .

( ج ) وعن توقيت تلك المعجزة ، مكتوب :- [ لذلك ، عند دخوله إلى العالم يقول … هيأت لى جسداً ] عب10: 5 ، فدخوله إلى عالمنا ، كان فى نفس توقيت تهيأة جسده المعجزى ، أى منذ الحبل المقدس — للعذراء — بعمانوئيل الله معنا .

إذن ، فمعجزة التجسد الإلهى بدأت منذ الحبل المقدس . فإن : ” عمانوئيل ” = ” الله معنا ” = [ الكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ] يو1: 14 .

( د ) ولأن الكلمة صار جسداً ، منذ لحظة الحبل المقدس ، فإنه مكتوب عن أليصابات : [ إمتلأت أليصابات من الروح القدس وصرخت .. من أين لى هذا أن تأتى أم ربى إلىَّ ] لو1: 41 – 43 . ++ إذن فإن السيدة العذراء هى أم ربنا منذ بدء الحبل ، بشهادة الروح القدس .

وقد كان الرب يسوع ، منذ طفولته ، يعلم بحقيقة ذاته ، وبأنه : ” الكلمة “( اللوغوس ) ، الإبن الوحيد بالجوهر ( المونوجينيس ) المتجسد بمعجزة إلهية

ففى سن الثانية عشرة ، عندما قالت السيدة العذراء له : [ هوذا أبوك وأنا ، كنا نطلبك معذبين ] ، فإنه أجابها : [ ينبغى أن أكون فيما لأبى ] لو2: 48و49 ، أى أنه كان يعرف أنه الإبن الكلمة المتجسد بمعجزة . وهو السر الذى لم يكن يعرفه إلاَّ العذراء التى قبلت بشارة الملاك ، ويوسف الذى أخبره الملاك ، مع الذين أعلمهم الله بذلك ، مثل أليصابات التى نطقت بواسطة إعلان الروح القدس . ++ وعن هذه المعرفة الذاتية ، مكتوب أيضاً أنه : [ لم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان ، لأنه علم بما فى الإنسان ] يو2: 25 .

( و ) وهذا التجسد الإلهى :- [ الكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ] يو1: 14 ، الذى هو : ” عمانوئيل الله معنا “مت1: 23 ، والذى كان منذ لحظة دخوله إلى عالمنا عب10: 5 ، هو الذى يتحدث عنه الإنجيل ، بأنه كان بكل جوهر اللاهوت :- [ فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ] كو2: 9 .

وعندما يقول الإنجيل : ” كل ملء اللاهوت ” ، فإنه ينفى إحتمالية تجزئة اللاهوت ، فإن الكلمة تجسد بكل ملء اللاهوت ، لأن ذلك هو الصحيح الوحيد ، إذ ليس فى اللاهوت أى إحتمالية للتجزئة والتقسيم ، لأن جوهر اللاهوت واحد كامل بسيط غير مركب وغير متجزئ ( والأقانيم الثلاثة هم جوهر واحد غير منقسم وغير متجزئ ) .

( ز ) إذن ، فالتجسد الإلهى ، بكل ملء اللاهوت ، كان منذ اللحظة الأولى لدخوله إلى العالم وتهيئة الجسد له ، وبالتالى ، فإنه سابق — بحوالى ثلاثين سنة — لحلول الروح القدس عليه ، عند عماده فى نهر الأردن .

( ح ) وبالتالى ، فالمكتوب عنه :- [ أما يسوع ، فرجع ممتلئاً من الروح القدس ] لو4: 1 ، ليس له علاقة بأن : [ الكلمة صار جسداً ] ، أى بإتحاد كل ملء اللاهوت بالناسوت ، لأن ذلك قد حدث سابقاً ، منذ دخوله إلى العالم (عب10: 5 ) ، أى منذ الحبل المقدس ، الذى فيه تسمــَّى عمانوئيل الله معنا .

(ط ) كما أن حلول الروح القدس ، لم يكن حلولاً إقنومياً آخراً ، بالإضافة للحلول الإقنومى للإبن الكلمة ، بدليل أن الإنجيل لم يقل أبداً بأن الذى صــُلب عنا ومات وقام وصعد ، هو الإبن والروح القدس ، بل قال أنه الإبن فقط ، فالإبن — فقط — هو الذى أرسله الآب (يو3: 17، 1يو4: 9 ) ، وهو الذى تجسد ( يو1: 14 ) وهو الذى وُلد بمعجزة (غل4: 4 ) وهو الذى صــُلب عنا بالجسد ( غل2: 20 ، عب6: 6 ) وهو الذى صالحنا بموته عنا بالجسد ( رو5: 10)، وهو الذى قام وصعد ( يو6: 62 ، أف4: 9 ، عب4: 14 ) وهو الذى سيأتى ليدين الجميع (يو5: 22و 25 ، 1تس1: 10 ) وهو المخلص(1يو4: 14) ، وهو الذى يعطى الحياة الأبدية (1يو5: 12) … إلخ .

الخلاصة :- إذن ، فتعبير : ” إمتلأ بالروح القدس ” ، لا يعنى جوهر اللاهوت ( مثلما كان فى حالة : تجسد الكلمة ) .

(( 2 )) تجسد الله الكلمة ، كان خطوة فى خطة الله لتدبير خلاص البشرية .

فقد كان يلزم أن يكون الفداء ، فداءاً غير محدود ، لكى تكون له قيمة غير محدودة ، ليكفى لخلاص الملايين ، وليكفى للتكفير عن خطايا كل البشر — لمن يتوب ويؤمن … — فى كل زمان ومكان ، والتى هى بملايين الملايين ، والتى هى موجــَّهة ضد الله القدوس ذاته .

فكما أن الخطايا هى غير محدودة ، كذلك يجب أن تكون الكفــَّارة غير محدودة .

لذلك كان التجسد الإلهى ، ضرورة حتمية ، لكى تكتسب ذبيحة الفداء ، خاصية اللا محدودية ، لكى يصبح موت الناسوت — المتحد به اللاهوت الذى لا يموت — نافعاً وكافياً للتكفير عن البشرية ، ويمنحها القيامة معه ، ويمنحها الحياة الأبدية .

(( 3 )) أمــّـا إقتباله — ناسوتياً — لحلول الروح القدس عليه ، وإمتلائه — ناسوتياً — منه ، فقد كان تمهيداً لخطوة أخرى تالية ، وهى فتح الباب للبشرية — من خلال ناسوته الخاص — ليؤهلنا لإقتبال نعمة إستحقاقات هذا الفداء الإلهى ، بعد إكماله تماماً ، بالموت والقيامة والصعود .

لذلك ، كان يجب أن يتمم — أولاً — خطوة الفداء الإلهى ، قبل بداية خطوة عمل الروح القدس فينا — لإعطائنا نعمة إستحقاقات هذا الفداء الإلهى — لذلك فإن الرب قال : [ إن لم أنطلق ، لا يأتيكم المعزى ] يو16: 7 .

فإن كل ما عمله الرب بالجسد ، قد عمله من أجلنا نحن ، بما فى ذلك إقتباله — جسدياً — للروح القدس ، ليفتح الباب للبشرية ، ليمكنها إقتبال ونوال نعمة إستحقاقات الفداء ، إبتداءً بنعمة الميلاد الثانى الروحانى — فى المعمودية يو3: 5 — لننال نعمة عربون الروح والتبنى … إلخ .

(( 4 )) ومثلما أن تعبير : ” إمتلأ بالروح “– الذى قيل عن رب المجد — لم يكن بمعنى جوهر اللاهوت( مثلما يكون فى تعبير تجسد الكلمة بكل ملء اللاهوت جسدياً ، أى : إقنومياً ، لأن المتجسد والمصلوب والفادى ، هو الإبن الكلمة فقط ) ، فكذلك أيضاً ، فإن إمتلاء المؤمنين بالروح القدس ، لا يكون بمعنى جوهر اللاهوت ، بل بمعنى عمل نعمته فى المؤمنين ( ولذلك ، فإنهم قد يقبلوه ، وقد يرفضوه ، أويقاوموه ، أو حتى قد يطفئوه : 1تس5: 19 ) .

(( 5 )) إتحاد جوهر اللاهوت ، بناسوته الخصوصى ، يــُسمــَّىَ تجسداً :- [ والكلمة صار جسداً ] يو1: 14 ، فإنه : إتحاد إقنومى معجزى ، فى وحدانية لا تنفصم ولا تنقسم ولا تتجزأ ، بغير إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير ، لذلك فإن اللاهوت ذاته يتكلم –بفم ناسوته الخصوصى — عن ذاته الإلهية ، مستخدماً صيغة المتكلم ، فيقول : [ أنا والآب واحد ] يو10: 30 ، ويقول : [ قبل أن يكون إبراهيم ، أنا كائن ] يو8: 58 .

فمـَـنْ هو المتكلم هنا ؟؟؟؟ لا نستطيع أن نفصل بين اللاهوت والناسوت ، لأنهما فى وحدانية إتحادية معجزية واحدة . +++ فهذا هو الإتحاد بالجوهر ، أى الإتحاد الإقنومى ، الذى فيه تكون الوحدانية الإتحادية المعجزية ، فإن المتكلم هو الله ، ويتكلم بصفته الإلهية ، من خلال ناسوته الخصوصى الذى إتحد به .

وأما حلول الروح القدس ، حتى على التلاميذ ، فلم ينتج عنه أن أحدهم تكلم عن ذاته كما لو كان هو نفسه الروح القدس ، لم يحدث مطلقاً أن تكلم أحد التلاميذ بصفته أنه هو الروح القدس .

بل إن كلام التلاميذ ، يـُظهر بكل وضوح أن شخصية الروح القدس — الذى حلَّ عليهم ويعمل فيهم — هى شخصية مختلفة ومنفصلة ومستقلة بذاتها ، مع أنه يعمل من خلالهم .

ولذلك ، فإن أغابوس – صاحب موهبة النبوءة ، بواسطة الروح القدس — لم يتجاسر على أن يقول بأنه هو الروح القدس ، بل أقرَّ بأنه يتنبأ بما يمليه عليه الروح القدس ، قائلاً :- [ هذا يقوله الروح القدس ] أع21: 10و11 .

كما أن الرسل ، فى مجمعهم الأورشليمى ، لم يتجاسروا على القول بأنهم هم الروح القدس ( ولا حتى جزءاً منه !!! ) بل قالوا :- [ قد رأى الروح القدس ، ونحن ، أن … ] أع15: 28 ، وهكذا أقرّوا بأن الروح القدس شخصية منفصلة مستقلة بذاتها ، فاصلين بين شخصيته الإلهية ، وبين شخصيتهم البشرية ، بالرغم من حلوله عليهم وعمله فيهم .

كما أن ذلك يتساوى أيضاً مع حقيقة أن الروح القدس — فى العهد القديم — كان يعمل فى الأنبياء ، فيسوقهم ويتكلم من خلالهم ، فيقولون : هكذا يقول الرب .

ولم يحدث مطلقاً أن قال أحدهم  هذا أقوله أنا الرب ، أو : هذا أقوله أنا الروح القدس !! ، هذا لم يحدث نهائياً .

وذلك كله بعكس ما حدث عند الإتحاد الإقنومى بين الله الكلمة وناسوته ، فى شخص ربنا يسوع المسيح ، إذ كان يتكلم بصفته الإلهية ، بصيغة المتكلم مباشرة ، بدون إنفصال ، كما سبق وأوضحنا .

ففى المسيح الواحد الغير منقسم على ذاته ، يتحد اللاهوت بالناسوت إتحاداً إقنومياً ، بغير إمتزاج ولا إختلاط ولا تغيير ، وبغير فصل وإزدواجية ، وهى معجزة ليس لها مثيل لنشبهها بها ، إنها معجزة المعجزات ، التى حيَّرت حتى إبليس الكاروبيم الساقط ، لكى لا يعيق الفداء الحلول الإقنومى ، يعنى إتحاد جوهر اللاهوت بالناسوت فى شخص واحد ، وذلك الأمر يقتصر على تجسد ربنا يسوع وحده ، ولذلك ، فإنه يتكلم بصفته : الله ، فيقول :- قبل أن يكون إبراهيم ، أنا كائن . واليهود حكموا عليه ، لهذا السبب .

وهو غفر لصالبيه ( لمن يتوب منهم طبعاً )، لأنهم لا يعرفون ما يفعلون ، لأنه أمر لا يخطر على بال إنسان ، ولا حتى الكاروب الساقط إبليس نفسه .

وأما أن يقول شخص ما ، بأن الروح القدس يحلَّ عليه إقنومياً ، فذلك يعنى أنه يدعى بأنه أصبح  ” الروح القدس المتجسد ” ، وهذا ما لم يقل به أحد عاقل أبداً .

فالإتحاد الإقنومى للإبن ، كان معجزة فريدة ، ففى شخص الرب يسوع ، الإله المتجسد ، يتحد اللاهوت والناسوت إتحاداً إقنومياً ، بغير إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير ولا إنفصال من بعد الإتحاد .

فكما رأينا ، فإنه يتكلم بصفته الإلهية ، فيقول :- قبل أن يكون إبراهيم ، أنا كائن .

أما فى حلول الروح القدس على المؤمنين ، فإن شخصية الإنسان تظل منفردة عن شخصية الروح القدس ، فيقول الرسل : … هذا يقوله الروح القدس ، ولم يحدث أبداً أن قال أحد : ” أنا الروح القدس ”

ملحوظة :- بمراجعة مقالات القديس البابا أثناسيوس ضد الآريوسية ، على النص فى لغته اليونانية القديمة ، وجدنا أنه لم يستخدم تعبير : ” شركاء فى الطبيعة الإلهية ” ،  عند إستشهاده بالآية : ( 2بط1 : 4 ) ، بل إستخدم نفس النص اليونانى للآية ،الخالى من الحرف : فى . + كما أنه لم يضيف هذا الحرف ، فى المواضع الأخرى الكثيرة التى راجعناها .