لله محاكمة – القمص أثناسيوس فهمي جورج

للّهِ مُحَاكَمَةٌ

يقول الروح: (أنا عارف أعمالك أن لك إسمًا؛ إنك حي وأنت ميت)، لا يزال هذا التحذير قائم؛ لأن كلمة الله لا تسقط ولا تزول أبدًا.. فللرب محاكمة مع سكان الأرض؛ لأنه لا أمانة ولا إحسان ولا معرفة الله في الأرض، لعنٌ وكذبٌ وسرقة وفسق؛ ودماء تلحق دماء.

كما الشعب هكذا الكاهن (هو ٤: ٩)، إنها كلمات مخيفة للدينونة؛ وهي موجهة إلى شعب الله، ويوم القضاء آتٍ؛ وللرب محاكمة مع سكان الأرض؛ ولا أحد يقدر أن يهرب من الغضب الآتي، فالفأس قد وُضعت على أصل الشجرة؛ وكل شجرة ردية تُقطع وتُلقى في النار.

هناك فرصة أخيرة للتوبة والرجوع وصناعة ثمار تليق بالتوبة (شخصية وجماعية) توبة عن الرياء، توبة عن النفاق والتزييف، توبة عن التزلف والمجد الباطل، توبة عن الفساد والجسدانية، توبة عن التجبر والتعالي، توبة عن سرقة اللاهوت، توبة عن الغفلة واللامبالاة، توبة عن التبجح والتطاول على القدسات والمقادس، توبة عن التحزب والانقسام والذاتية والمادية والأنانية... لا يوجد عمل أعظم من التوبة في كنيسة التائبين، وعندما يتكلم معنا الله بشخصه في قلوبنا، لنقبله ونسمعه ونستجيب. ”معك لا أريد شيئًا على الأرض“ (مز ٧٣: ٢٥). له في إنساننا الداخلي؛ لأنه أحبنا وفدانا وهو يكلمنا ويريدنا له. فمًا إلى فم؛ يتكلم لا بألغاز لكن بالعيان والرؤيا.

ينادﻱ علينا لو اجتمعنا بإسمه في الكنيسة (بإسمي).. وينادﻱ علينا في مخادعنا وفي معاملاتنا الحياتية، عندما ننفتح عليه ونحمله حيًا داخليًا فينا ومعنا، نحضره فينا؛ لأنه ساكن ويمكن أن يكون حيًا ومنظورًا؛ متى أردنا وعملنا حسب المسرة. هو يتكلم إلينا عندما ننصت لهمساته ولطرقات صوته العذب، وعندما نفحص أهدافنا وطريقنا وخدمتنا ووسائلنا، ”فمَنْ هو الإنسان يارب حتى تذكره؛ وابن آدم حتى تفتقده؟! تُنقصه قليلًا عن الملائكة؛ وبمجد وبهاء تكلله“ (مز ٨: ٤).

لله محاكمة معنا لأننا افتخرنا بحكمتنا وجبروتنا وغنانا، لأننا سرقنا مجده وعمله؛ ونسينا أننا خطاة وضعفاء ومساكين وفقراء وأواني خزفية.. لله محاكمة معنا لأننا حوّلنا بيته إلى تجارة ومنافع ومناصب؛ وأفرغنا المضامين الجوهرية من معناها وفحواها؛ بينما فخرنا الوحيد ومجدنا هو بالرب الصانع الرحمة والقضاء والعدل، وهو الذﻱ يُسرّ بالساجدين الحقيقين لآلامه المقدسة، وهو أيضًا الغارس والساقي والمُنَمِّي، كي لا ينتفخ أحد.. لله محاكمة معنا لأننا نتعالى ونستأسد ونتسلط على الأنصبة.. لله محاكمة معنا لأنه وجدنا نستعمل الخدمة المعطاة لنا كنعمة منه، لنتباهىَ ونميز أنفسنا عن القطيع الإلهي.، ولم نتسلح بالتوبة والصلاة كل حين، وهو افسح المجال اكثر لعمل الشيطان بانقساماته وعداواته وتعدياته وخصوماته، فدخل بيتنا لا كضيف بل كصاحب بيت.

لقد أتى إلينا المخلص... نزل إلينا وتجسد على الأرض، وبارك طبيعتنا؛ ونزل تحت الأرض للذين هم في الجحيم، بعد أن غسل أرجلنا وفدانا على عود الصليب، لكي يسلك تلاميذه كما سلك، لا لينظروا نظرة فوقية متعالية على الرعية؛ وكأنهم في مركز الهيمنة الروحية؛ بل الكبير ليكن كالأصغر؛ والمتقدم كالخادم.. فالأكبر هو الذﻱ يخدم.. الأكبر هو الذﻱ يغسل الأرجل ويخدم خدمة العبد للسيد.. الأكبر هو الذﻱ يكد ولا يثقل على أحد.. الأكبر هو المتعفف والزاهد.. الأكبر هو الذﻱ يحمل عار شعبه ويضع عليه ضعفاتهم ”كذلك أنتم أيضًا متى فعلتم كل ما أُمِرتم به؛ فقولوا إننا عبيد بطالون؛ لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا“ (لو ١٧: ١٠).

سَنُدان إن كنا لا نعيش وفق الحق الكتابي المعلن، وإن لم نسمع لصوت الآتي بإسم الرب، قبل أن تأتي أيام العقاب على كل من يتقسىَ ولا يأبَهُ أو يبالي؛ بل يستمر في غيبه وعناده كقوس مخطئ!! إنْ وَضَعْنا أنفسنا أمام موقف التوبة المصيرﻱ؛ نكون مُسِرِّين لقلب الله؛ فننال رضاه. ينبغي أن نعترف أن الجانب الخطير في حياتنا الروحية، أننا نستبدل الحضرة الإلهية بصورة وضعية لا تليق بكرامته. فقدان الحس الروحي والناعمات ونفاق المداهنة والمظهريات سبب مباشر لشرور كثيرة حادثة بيننا؛ وكأننا نتكلم عن (إله خشبي)؛ ونعيش ديانة (أفيون الشعوب)، في عبادة نفسانية فضولية.

هوذا سيأتي الديان وستنظرة كل عين، ولن يمكن التهرب من لقاء دينونته؛ وكما تشرق الشمس فتنظرها كل عين؛ هكذا سيكون مسيحنا مرئيًا، وسيجازﻱ كل واحد حسب أعماله، وسيخزيَ ويندم الذين رفضوه ورذلوه وزيفوه؛ حينئذ سينوحون نوح اليأس؛ لأن قطار الخلاص قد فاتهم، ينوحون أسفًا وندمًا حيث لا ينفع الندم. سيأتي عن قريب ”آتِيكَ عن قريب“ (رؤ ٢: ٥)؛ لك أنت شخصيًا من أجل القضاء والدينونة.

فلنحذر من الانحياز للجسديات؛ ومن التهاون والخداع والتناقض بين الظاهر والباطن، وبين العرض والجوهر. جدير أن نكون صادقين ونطلب الحياة من رئيس الحياة؛ لنصير أحباء وغالبين، محترسين من التسيب والترف، لأن المتنعمة ماتت وهي حية، والترف يسهل قبول الخطية والتحجر والتراخي، وبها يتحول الشيء الحسن إلى ردﻱء، مثل الزهور الصناعية عديمة الرائحة والحياة... شكلٌ دون رائحة ولا ثمر ولا جوهر.