فلسفة معرفة النفس في المسيحية – اعرف نفسك – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » فلسفة معرفة النفس في المسيحية – اعرف نفسك – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

التصنيفات: أدب مسيحي
آخر تحديث: 12 مايو 2020

فَلسَفَةُ مَعْرِفَةِ النَّفسِ في المَسِيحِيّة

اعْرَفْ نفسَكَ

حياتنا الروحية مستترة مع المسيح في الله؛ خطوطها مرسومة؛ لأن يسوع المسيح أمس واليوم وإلى الأبد، والطريق للوصول سلكه ورسمه مسيحنا في حياته وإنجيله؛ لأنه هو الطريق والحق والحياة، ومن رآه فقد رأى الآب. حياتنا الروحية لها مبادئها وطريقتها التي لا تخلو من الفلسفة والمنطقية الروحية؛ لتكون مسيرة على مثال نماذج الآباء الأولين الذين سلكوا؛ ونحن نسير على آثارهم... فالابن دائمًا يكون سِرّ أبيه. فحسبنا نحن أن نسلك طريق معلمي الكنيسة: نحيا حياتهم ونجدد ثراثهم؛ فتكون شهادتنا حية ومقنعة؛ وسط ظروف كثيرة معاكسة.

كل الحياة المسيحية هي امتداد لسر المعمودية... موت وقيامة؛ نموت مع المسيح لنقوم معه كحبة الحنطة التي تُدفن وتموت لتأتي بثمر كثير... نرتقي السُلّم ونقترب وسط الغمام ناحية الحقائق غير المنظورة وينبوع النور؛ لننال القُبلة السرية التي تُعيد لنا جمالنا... مثل الحمامة المتحررة التي تستريح في ظل التفاحة؛ حيث الحبيب يقترب منا في الليل الإلهي؛ ونشعر بحضرته؛ وإن كنا لا نراه.

ننزع القميص العتيق ولا نعود نلبسه؛ لأننا قد لبسنا المسيح... نغسل أرجلنا ولا نعود نوسِّخها في طريق الضلالة؛ لأن حقيقة المسيح قد أعتقتنا وتحقق فينا الموت والدفن بالمعمودية؛ وسيدوم؛ إذ قد أخذنا كل الحياة والاستنارة بواسطة السر؛ عبر القُبلة السرية الصوفية؛ التي تطهرنا من سواد الجهل ومن عتامة الضحالة والضآلة؛ وتنشر فينا ديمومة الحياة غير المائتة.

هذه القُبلة والنسمة؛ ننالها على عتبة الحياة الروحية؛ عندما ننال النعمة المُستردة ونسترجع صورتنا الأصلية؛ ثم ننال النعم التي تتناسب مع أطوار حياتنا في رحلة سيرها نحو الوطن الحقيقي... لكن هذه المسيرة لا تبدأ إلا عندما نرجع إلى أنفسنا لنعرفها (رجع إلى نفسه)، نرجع إلى أنفسنا لأننا تركناها؛ ومعنى رجوع النفس إلى ذاتها هو ترك التمزق والتعددية لأجل الوحدة الروحية؛ فهذه الوحدة شرط لمعرفة الواحد؛ لأن الحاجة إلى واحد؛ ولأن الشبيه يعرف شبيهه؛ والمثيل يستريح إلى مثيله، وثمرة الوحدة هي إدارة الروح كصورة لله.

معرفة النفس أول خطوة في الطريق؛ لأن الذﻱ يعود إلى نفسه؛ يكتشف قيمتها ويقوِّمها ويتخلىَ عما هو غريب... فتجد النفس حينئذ ذاتها في حالتها الطبيعية الأصلية، وبمجرد أن تعرف النفس ذاتها؛ تعرف الله... لأن معرفة الذات الحقيقية ومعرفة الله مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا؛ لأن النفس صورة ومرآة لله خالقها. عندما ترجع إلى جوهرها العقلي والروحي؛ وإلى ما هو أصيل فيها؛ حينئذ تعرف تدابير الله الخلاصية من أجلها.

وغاية حياتنا الروحية وخلاصنا أن نعود إلى حالتنا الأصلية؛ وإلى الفردوس وعدم الفساد بالاتحاد بالله؛ الذﻱ هو مجموع الخيرات كلها وكمالها؛ وعنده وحده الشبع والغنى والسرور والخير والجمال والنور والضياء والحق والحرية والحُسن الذاتي الذﻱ لا يوصف... تلك هي الحياة الفاضلة التي نتدرج فيها في نمو حياتنا الروحية ومعرفتنا لله؛ فأن لم تمُت النفس؛ تظل ميتة؛ لأن خلع كل ما هو مائت يبلغ بها إلى جدّة الحياة التي يمنّ بها الله عليها، فتظل مرتحلة في رحلة طوباوية لا تنتهي؛ تنطلق مُنسابة إلى الأعماق؛ وهي محمولة عاليًا بالروح كما على مركبة... هذه هي الحرية الكاملة والفلسفة الحقة التي تتم في النفس بعمل النعمة وتقديس الروح.

عندما نقف على حقيقة أنفسنا ونعرف ضعفنا وواقعنا وزماننا؛ نعرف إذن كيف نطلب النعمة؛ وكم نحن لا حياة لنا بدون الله الذﻱ به نحيا ونوجد ونتحرك؛ والذﻱ منه وبه وله كل الأشياء قد خُلقت. عندئذٍ نرتقي وتصغُر الأرض أمامنا ونقترب من السماء بسعة. نتجول في الأعالي حيث القُبة السماوية؛ ونتمسك بالوعود والتعزيات؛ ونسلك بحسب الدعوة التي إليها دُعينا؛ ويكون صعودنا مرورًا وارتقاءًا بين العارف والمعروف؛ وكعودة للنفس إلى الوطن السماوي.

نفحص أنفسنا بيقظة لنعرفها ونتعاهدها بالسهر؛ لأننا ما دُمنا هنا؛ إنما نجوز وسط الفخاخ والعدو قد نصب لنا الأشراك. لذلك نُمات كل النهار؛ ونلجِّم بالروح أحصنة الأهواء والغرائز المجنحة؛ التي دائمًا تطلب المزيد دون أن ترتوي أو تشبع أبدًا... وقد قيل أن الإنسان بئر من الرغبات، لذلك يحتاج إلى الشبع والارتواء الروحي ليتسامَى ويتعقل ويقنع؛ ولا يتحول إلى حيوان جامح... فالحرية الحقة أن نعرف أنفسنا ونُخرج الخشبة من عيوننا؛ ونتدرب لنتحرر من الاستعباد للأميال العاطلة الكامنة فينا، ومن ثَمَّ تنمو فينا الحياة الجديدة تبدأ فينا جنينية؛ ثم تنمو وتكمل وتنتصر لتبلغ الأصل وتعود إلى الفردوس خلال ممارسة عقد الفضائل الذﻱ يزداد جمالاً بما يحتويه من لآلئ متنوعة تترصَّع بها النفس وتتجمل متزينة بالمحبة والتواضع والرحمة والغفران وحرية ودالة مجد أولاد الله؛ وحياة بحسب الروح؛ مفعمة بالتقوى والشركة السرية مع الله.

إن نفوسنا الراكضة في عالم الظواهر؛ والمسحورة بأوهام الدنيا؛ ستبقى قابعة على تلال رمل متحركة في عالم سيزول ويمضي؛ إلى أن تحيا بالكلمة وللكلمة؛ فتتوحد مع المشيئة الإلهية التي تشفي النفس والجسد والروح... تستعمل هذا العالم؛ لكنه لا يستعملها ولا يستعبدها؛ مستيقظة بالفطنة الإلهية من كل تقلب زائل؛ ومن كل انشغال؛ بانية حياتها الروحية على الصخر؛ في بدء أبدﻱ متصاعد؛ وفي تفتيش دون توقف؛ لأن الربح من التفتيش هو التفتيش ذاته؛ الذﻱ فيه فيض البركة وكل ملء النعمة؛ حتى تتمجد النفس البارة وتصعد إلى السماء؛ أمّا الخاطئة فتُعاقب بالنزول إلى الجحيم.

5 مارس 2012.