علامات في مسيرة الرعاية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » الخدمة الكنسية - اللاهوت الرعوي » خدمة الكهنوت » تعاليم وإرشادات للكهنة » علامات في مسيرة الرعاية – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

عَلاَمَاتٌ فِي مَسِيرَةِ الرِّعَايَةِ

قال الرب لإبراهيم: (سِرْ في حَضرتي وكن بلا عيب) (تك ١٧: ١)، ومسيرة الرعاية هي مسيرة بلا توقف، بريئة من العيب، تتقدم إلى ما هو قدام، في امتداد نحو الغرض لإدراك ما أدركنا المسيح لأجله، ولسماع القول الإلهي "هَلُمُّوا يا بيت يعقوب لنسلك في نور الرب" (إش ٢: ٥)، حيث يكون بناء وتعمير بيت يعقوب بحجارة حية ممسوحة مختارة تائبة ثمينة.

أحيانًا نبني حجارة مادية وأماكن ومباني تتحول إلى أعمال خيرية أو اجتماعية؛ لكنها ليست عمل كنيسة عروس الحمل. ونحن عندما لا نسير نحو الهدف فنحن نتوقف ونتجمد، بل ونتقهقر. (راعينا هو قائد مسيرتنا هو السند والرُّكن، سند الخبز والماء، وهو الهدف والطريق والألفا والأوميجا)، فلا يتسلط الصبيان ولايظلم الشعب ولايتمرد الشباب ولا تتعثر أورشليم ولايخربها الأدنياء، ولاتكون إغاظة الرب بل مجده وحده، ونقول للصديق خيرًا.

كل بناء على الرمل ينهار، وكل توقف انما هو ارتداد إلى الخلف، لذلك نصلي في صلواتنا السرية "لا تردنا إلى خلف" لأن كل من ينظر إلى الوراء يصير نُصُبًا تذكاريًا للنفس التي صارت عمود ملح، ولا أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله.. ففي بابل حين عزم البشر على بناء طريق إلى السماء بأياديهم، أدّىَ بهم ذلك بالنهاية إلى تدمير قدراتهم ذاتها؛ لأنهم اتكلوا على فَهْم بعضهم بعضًا، لكن الروح القدس في العنصرة وحّد بحضوره الكل في مسيرة الخلاص؛ وحوّل البلبلة والفوضى إلى شركة وكيان ووجود. كبرياء وذات ومادية الإنسان أكبر معطِّل في الرعاية؛ لأنه يخلق الانقسام والافتراقات، وهو الذﻱ يمنع رفع الجدران والحواجز التي تَحُول دون السير إلى ما هو قدام، وبدلاً من النمو والثمر المتكاثر؛ تسرﻱ روح الحسد والبغضة والعداوة والتنافس المر. أما روح الله القدوس عندما يقود مسيرتنا نبدأ ونعمل به وعنده ننتهي؛ لأن كل عمل رعوﻱ وخدمه يأتي من إرادته ويعود إلى إرادته التي هي قداستنا وخلاصنا.

الكنيسة قائمة وتبقى نامية في مسيرتها؛ مَتَى نفضنا ”الرخاوة التي لا تمسك صيدًا“ (أم ١٢: ٢٧)، فإذا كانت الكنيسة في أسقفها حقًا؛ فهو موجود وكلامه كلامها، وإذ هو أتى منها تأتي بدورها منه، وهذه المسيرة تتعوج متى انحرفت عن قداسة الحق والبر وعن ترجمة الفكر والعمل الإلهي بقوالب العصر، لكي يُفهم الفكر وتعاش الحياة الإلهية على حقيقتها في لغة الناس وحياتهم، والتي لأجلها يتم كل عمل رعوﻱ لحراسة العقيدة والسهر على الرعية حتى لا يفترسها الذئب.

فعمل الرعاية لا يكتفي ببناء كنائس وأبنية من حجر وحسب، بل أولويته لبناء النفوس ككنائس حية في الإيمان الصحيح والمستقيم، خلال اعمال الاغابي والشركة والخدمةوالكلمة والشهادة العملية، عندئذٍ نكون أغنى الناس بحفظ الإنجيل وفهمه وعيشه؛ بالسلوك كما يحق له؛ لأن الكنائس اللحميه أثمن وأبقى من كل حجارة حتى ولو كانت مبنية وفاخرة.

غنى مسيرة الرعاية مجسمة في محبة الله الفائقة وتدبير حكمته العامله في كنيسته (تث ٧: ٦)؛ لأن فضل اختيار الرعاة يرجع للراعي العظيم رئيس كهنة الخيرات العتيدة؛ الذﻱ هو (أصل وبدء كل رعاية)؛ يرعي شعبه مدى الدهر في كل واقعهم البشرﻱ العملي؛ ليعرفوه لا معرفة عقلية جامدة جافة؛ إنما ليتمتعوا برعايته الأبدية، ويقودهم في المراعي الدسمة. رعاية هابيل المقتولة التي نظر إليها الرب وقبل بكوراتها وقرابينها وسُمانها. رعاية الأولوية القلبية والحرص حتى الدم "دم هابيل" الذﻱ كان رمزًا للحمل المذبوح؛ والذﻱ قبله أسقف نفوسنا وراعيها الأبدﻱ خلال مركز الدم الجديد. وبصخة العبور المقدسة، والتي بها لانخدم لنثبت ذاتنا بل لنبذلها كذبيحة وصعيدة وقارورة مسكوبة.

إن رأس مال رعايتنا هو مسيحنا الذﻱ أرسل تلاميذه بلا مزود ولا زاد ولا زواد، في مسيرة كرازية للعالم كله؛ ليكون هو كل ما لهم؛ وقد أوصاهم بالكرازة والخدمة لخلاص النفوس. فهدف مسيرة الرعاية في جملتها هو رعاية النفوس وخلاصها. ومن يختبر هذه الخبرة يسمع القائل: "ادخُلْ يا مبارك الرب، لماذا تقف خارجًا وأنا قد هيأتُ جمال البيت؟!" (تك ٢٤: ٣١) فيرى عمل الله العجيب وتهيئته للنفوس وخلاصها؛ التي هي أهم ما يُقتنىَ في خدمتنا بالبركة الإنجيلية وتقوى الكنيسة التي تخمر هذه البركة وتفعِّلها لتنشِّط وتخمِّر العجين كله؛ حيث تقام السماء على الأرض؛ وتنفتح السماء لتقبل الأرضيين.

منطلقين في موكب إلهي ترافقنا فيه الملائكة المحبون لخلاصنا "جيش الله" وتكون معنا كنيسة غير منظورة وقوات عجيبة، ونلمس تحقيق المواعيد والوعود الإلهية السخية في رعاية النفوس. ونردد مع يعقوب "صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك" (تك ٣٢: ١٠). فلا نخرج فارغي الأيدﻱ؛ لكن حاملين صليب الرعاية؛ كَسِرّ قوة المسيرة وحصادها.

كل مسيرة نمشيها ننطلق فيها؛ لا من مكان أو من موقع وإنما ننطلق من قلب خاشع وعقل ساجد منفتح على الروح، خارج الذات الضيقة نحو رعاية قطيع الله وخرافه العقلية الناطقة، فنمضي ونذهب من قوة إلى قوة (مز ٨٤: ٧) وينفتح أمامنا الطريق لنطلب مجد الله. ولهذا يكون كل راعٍ مدعو إلى: - ١ - التجرد من كل تعظيم ومن كل ما هو فيما للناس.

٢ - نبذ السلوك العتيق وطرقه.

٣ - تحرر الروح من المرئيات والماديات للانشغال بما هو فوق، وخدمه المقادس السماوية.

٤ - خدمة النفوس التي اقتناها الراعي بالدم الثمين بالتعليم والافتقاد والمساندة لكل ضعيف وفقير ومتروك وبعيد ومزدرًى ومحتاج (خدمة العبد للسيد؛ وليس خدمة السيد للعبد). وكل من لا يحيا دعوته؛ ينظر إلى الوراء ويتراجع، أمّا من يسلك حسب نذره؛ يتطلع إلى أيقونة الراعي الصالح.

ولنلتفت بأن غنى الرعاية ليس في الأموال والأرصدة؛ بل في الإيمان الحي، وخير دليل لنا كخدام، هو أبونا ابراهيم الذﻱ لم يقتنِ شيئًا في كل حياته، إلا مقبرة يُدفن فيها مع زوجته وأولاده، فكونه أب آباء؛ لا يعني أن يكون ذا غنى متكدس ومقتنيات مبهرة، لكن في كونه لا يطلب من الأرض شيئًا؛ إلا ما يُدفن فيه جسده على انتظار القيامة من الأموات. هكذا غنى كل راعٍ في فمه المفتوح وقلبه المتسع لا في إنجازاته وإمكانياته ومشروعاته.