عثرات الإكليروس – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » الخدمة الكنسية - اللاهوت الرعوي » خدمة الكهنوت » صفات الأب الكاهن » عثرات الإكليروس – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

عَثَرَاتُ الإِكْلِيرُوس

يشن قادة بروتستانت حملة شعواء على الكنيسة الأرثوذكسية الأم، لا تقل في ضراوتها عن الاضطهاد الخارجي المسعور الذﻱ يصبّ بإتجاهنا.. لا أريد أن أنقل مساجلات هذه الهجمات؛ لأن ذكرها أيضًا قبيح؛ لكنها في مجملها تصف عقيدتنا بالعُقم والرتابة، وأننا لا نملك أدنى فكرة عن الكتاب المقدس، وأن الكنيسة لا تسعى لخلاص النفوس وأنها وثنية؛ وضاع فيها المسيح وسط القديسين، وأنها كنيسة جسدية ومادية تعبد الأشخاص. كذلك كل من يدافع عن لاهوتها يصفوه بالتعصب، مع وصلة من الإهانات والتهكم على سِيَر القديسين، إضافة إلى إسقاطات عديدة أخرى مكررة ومعادة حول عثرات الإكليروس.

لكنني من أجل المنفعة سأذكر قصة القديس أنطونيوس الكبير، عندما سمع للسيدة التي كانت تستحم وبكَّتته كي يدخل إلى البرية الجوانية، فانتفع من قولها مع أنها لا تمثل له شيئًا، وهي غير مَعْنِيَّة ولا جهة اختصاص؛ ولم يقُل لها القديس أنطونيوس: أخْرِجي أولاً الخشبة التي في عينِكِ.. لكنه حوّل هجومها إلى منفعة؛ كقيثارة تعزف سيمفونية الروح القدس. وعلى نفس القياس أيضًا أقول أن كنيستنا هي كنيسة المسيح وهو صاحبها وحاكمها وصخرتها التي لا تتزعزع؛ وهي نبتت من جنبه الإلهي الطاهر، عندما نزل منه دم وماء، كحواء التي خرجت من جنب آدم الأول. هي كَرْمته المشتهاه المؤسسة على ماء جنبه في جُرن المعمودية، وعلى دمه الثمين في كأس الإفخارستيا، وقد تأسست في العلية؛ وعَنْصَرَتُها دائمة بحلول الروح القدس الفاعل في أسرارها.

هو في وسطها وهو مركزها ونقطة ارتكازها، وكل من يتحد به يثبت في المركز؛ ويصل به للوحدة مع أعضائه الأخوة في دائرة محيطها. فمن المركز نصل لكل نقاط الدائرة المتجهة بفُلكها إلى الأبدية الهَنِيَّة.

هذه الكنيسة الطاهرة السرائرية مؤسسة على رسل الحمل، وأسسها الكاروز مرقس الإنجيلي الطاهر والشاهد لآلام الرب يسوع. كنيسة حية بطهارتها وقدسيتها الأبدية وثباتها الذﻱ لا يُقهر ”بَوَّابَاتُ الجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا“ (مت ١٦: ١٨). وهي لا تعتمد على صفات أخلاقية عارضة لبعض الأشخاص؛ لأن هذا الأمر وارد منذ كنيسة أعمال الرسل... إنها مملوءة بعبيد الله الأتقياء البَرَرَة حافظي العهد والأمانة، سُلالة وأبناء الشهداء الأماجد. شبكة ملكوتها مطروحة، وفيها سمك جيد وردﻱء، في بستانها حنطة وزوان، وفي فُلْكها طيور طاهرة وغير طاهرة، لكنه هو رأسها وقائدها وصيادها ورُبَّانها وزارعها وربّها الإلهي.

أخطاء الخدام لا يمكن أن تنتقل إلى الكنيسة عمود الحق وقاعدته؛ لأنها تزداد قوة في ملء بركة الإنجيل، وفي روحانية عبادتها المؤسسة على العقيدة السليمة غير المبتورة ولا المختزلة ولا المتبدلة ولا المستحدَثة، التي تسلمتها من الرسل ورؤساء الآباء، والذﻱ به صمدت كل هذا الزمان محفوظًا ومحروسًا ومعاشًا، أمام هجمات العدو الشرير، مقدِّمة ومصدِّرة حتى اليوم سحابة من الشهداء الذين لو وُضعوا في كفة مع شهداء العالم لرجحت كفتها. ونساكًا ورهبانًا أضاءوا ليل هذا العالم بمحبتهم وعشقهم للملك المسيح؛ فلم يحتملوا السكنَى بين الناس، ونذروا أعمارهم وقفًا أبديًا، ليتلذذوا بعبادته والالتصاق به؛ والنَّهْل من إنجيله بالتأمل والهذيذ والخبرة التي انتقلت إلى كنائس العالم كله.

كنيسة علماء مدرسة الإسكندرية اللاهوتية العظماء، وباباواتها خلفاء الرسل في هيرارخية استمرت من دون انقطاع حتى البطريرك ١١٨ في عداد البطاركة البابا تواضروس الثاني (أطال الله حياته). غنية بمؤسساتها التربوية والتعليمية والاجتماعية والرهبانية، غنية بشهدائها ونُسّاكها ومعترفيها ولُبّاس الصليب فيها. غنية بملايين المؤمنين المنتشرين في بقاع الأرض كلها. متجهين إلى الإسكندرية عاصمتها الروحية الأولى، التي تخضبت بدم كاروزها مبدد الأوثان بطريركها الأول؛ كنيسة ذات جذور وأصول.

فإعتقادنا وتسليمنا لم يبدأ بنا، بل بالإيمان الرسولي الآبائي الأول، الذﻱ نتناقله مُعاشًا حيًا في العقول والصدور مع كل الساجدين بالروح والحق (شعب التطويبات) الذﻱ ضمانته الوحيدة عبادة شخص المسيح، كخميرة نشطة تخمر العالم كله، والله صاحبها في وسطها ولن تتزعزع إلى الأبد.

ومن المعروف أنه خلال عصور الكنيسة الممتدة على الأرض، جَرَتْ مباحثات غبية وسخيفة من فساد البدع والمنشقين، وقد تأست الكنيسة وعانت من الاضطهاد الداخلي بمحاربات الشيطان المغوﻱ الذﻱ يحارب ويشتكي؛ ليعطل تحقيق مقاصد الله الخلاصية، محاولاً زعزعة الثوابت وإسقاط النجوم والافتراء على ذوﻱ الأمجاد. وهي الأمور الحادثة بيننا الآن وتتكرر في كل عصر - ضد الكنيسة، ضد الأسرار، ضد الإكليروس - ونحن نحسبها إسقاطات وأوراق خريفية معطوبة، لا تصمد في أصل الشجرة أمام الريح الشديد؛ لأنها لن تتأصل وتتأسس متجذرة في الأصل ولم تثبت فيه، لتتغذَى بعُصارته.

إن ضباب العثرات والبدع لا يُظلِم الشمس في ذاتها، بل في نظر الناس، فلا يرون جمال نور شمس البر الحقيقي، ولا يتذوقون الحقيقة اليقينية لمسيحنا القدوس، الذﻱ أسسها: كنيسة معمدانية من ماء جنبه المفاض في جُرن المعمودية، كنيسة إفخارستية من دم طاهر مُفاض في كأسها الذﻱ يعطَى خلاصًا وغفرانًا للخطايا؛ وحياةً أبديةً لكل من يثبت فيه. تلك هي عقيدتنا الرسولية التي عاشتها أجيال العشرين قرن، رافضين شَطَحَات وأحلام وخيالات الهراطقة والمعلمين الكذبة.

إننا مُوقِنين في سلامة ما تسلمناه في وديعة الإيمان المُسَلَّم من الرسل والآباء، واثقين في مسيحنا ”الجَبَّارُ المُسْرِعُ فِي طَرِيقِهِ“ (مز ١٩: ٥) الذﻱ يرعد بصوته عجبًا ويصنع عجائبَ غير مدركة. وهو قياسنا الوحيد الذﻱ يصون كنيسته ويعضدها ويستر عيوبها، ويجعل مجدها فائقًا كالشمس؛ والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل الاثني عشر سبطًا ورسولاً، وهم تاج جهادها وأساس إرساليتها في كنيسة الكرازة المرقسية المرسلية والمنتشرة في كل بقاع وقارات العالم، ممتدة بحفظ قداساتها وأسرارها وتسبحتها وكتبها وفنها وتراثها ومعمارها ومخطوطاتها وأيقوناتها وتاريخها... تحياه أيضًا في بلاد الانتشار (المهجر) مترجَمًا باللغات المحلية، وممتدًا في تفاعله مع الثقافات والحضارات.

ونحن محفوظون في فُلك كنيستنا وحظيرتها ومستشفاها ومدرستها وكَرْمها بحزمة الحياة في يد القدير؛ إلى أن نكمل خلاصنا المشترك بخوف ورعدة؛ ضمن أمنا التي لا خلاص لأحد خارجها، والتي وقفت متذرِّعة بحقائق الوحي الإلهي الأصيل دون غيره، مستعدة على الدوام لمواجهة تحديات معركة المنشقّين؛ وكأنها عواصف ترابية هبَّتْ على حقولها، تأسس بها علم اللاهوت الجَدَلي؛ وأدب الدفاع والمحاماة عن الإنجيل.

ليس لدينا عُذر ”أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ“ (رو ٢: ١)؛ لأننا تبعنا مسيحنا مقتفين طريقه، حاملين صليبه وهو يقودنا في موكب نصرته كل حين، مهما مرت بنا عواصف وتعثرات؛ ولاَطَمْنا هذا الزمن العاتي، واصطدمنا فيه بنفوس خسيسة أو مظلمة؛ لأن عيوننا نحو إلهنا؛ ملجأنا وقوتنا وناصرنا وحياتنا الأبدية معًا. وهو يجلي بصيرتنا لنرى في المتغير والمتلون، حقاً إلهيًا لا يزول... إلهًا خالدًا كاملاً عظيمًا نلمسه ونقتنيه في تقليدنا الأرثوذكسي الحي الذﻱ لا يتوقف عند هذا أو ذاك، لأنه باقٍ موجود أمام من أوجده، حتى ولو اختفى عن أبصار البعض ممن لا يريدون أن يبصروا. فما أجمل الحق في كل شيء، بل وما أجمل كل شيء من أجل الحق الذﻱ فيه؛ لأن كل شيء ينطلق بمجد الحق الذﻱ هو عِلّة وجوده وكيانه.

عيوننا مثبتة على حامل أيقوناتنا؛ حيث شفعائنا محيطين بنا يبصروننا ويحثونا لنجاهد قانونيًا فنلحق بزُمرتهم، وعلى صليبنا المرفوع فوق حامل الأيقونات؛ لأنه علامة غلبتنا وطريق حياتنا، مثبتةً على المذبح الناطق السمائي حيث قُوت الحياة وخبز الخلود الباقي. مثبتةً على إنجيل المنجلية كصوت الكنيسة الحسي.

مسيحنا هو نموذجنا وقائد معسكرنا فلا نعثر؛ لأنه هو سلامنا ومحررنا كل يوم، لنلحق طريقه الضيقة التي لا تسمح بمرور الأحمال والأثقال والعثرات، نجتاز طريقه عَرَايا كما دخلناه... نتقدم إلى ما هو قدام بلا مجادلة ولا تشويش ولا دمدمة. نحو اللانهائي والدائم إلى الأبد... يُسمِعنا صوته الحلو؛ ويُلهب قلوبنا حتى لا نفتر؛ وحتى نعرفه معرفة اليقين والإيمان والمعيشة، ولنا آذان تسمع وعيون تبصر.