شـوكـة المـرض – الأستاذ بيشوي فخري

الرئيسية » مقالات » الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي » شـوكـة المـرض – الأستاذ بيشوي فخري
الرئيسية » مقالات » الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي » شـوكـة المـرض – الأستاذ بيشوي فخري

كارت التعريف بالمقال

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب الأستاذ بيشوي فخري
التصنيفات التجارب والضيقات, الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي, مفاهيم في الحياة الروحية
آخر تحديث 7 فبراير 2021
تقييم الكتاب 5 من 5 بواسطة مراجعة الكنوز القبطية

شـوكـة المـرض.

في المفهوم المسيحي ليس شئ يعتبر صالحًا بالمعنى الكامل سوى الفضيلة التي تقربنا إلى الله، وليس ما هو شرير إلا الخطيئة التي تفصلنا عنه.

من هنا لا تعتبر الصحة خير في ذاتها كما أن المرض ليس شرًا، وأنما المقياس في ما يقربنا إلى الله، وغالبًا ما يستخدم الله المرض لتنكسر الذات، وتموت الشهوات، وتتبدد الأشياء التي يرتكن عليها الشخص فيصبح المال بلا قيمة، والعلاقات والمعارف بلا فائدة، والمناصب والمراكز لا تفيد... ألخ.

وفي رأى يوحنا ذهبي الفم أن المرض ليس شرًا إلا في الظاهر، ويمكن أن يستخدمه الأنسان لخلاصه.

والمرض هو نار للتنقية، ودرجة للترقية، وتعب للتزكية.

ويقول ديوستوفسكي: "الإنسان السليم جسديًا هو دائمًا أنسان أرضي، ولكن ما أن يمرض حتى يظهر له عالم آخر، وكلما تفاقم المرض، كلما ضاق ارتباطه بهذا العالم".

والأنسان هو كيان واحد من نفس وجسد وروح، وإعتبار المرض وجود لضرب الجسد فقط، هو ضياع لمعناه، بل يصير ضربات أنتقامية طائشة، تحطم ما هو محكوم عليه أساسًا بالفناء!

فالمرض بدون إنعاش للروح، هو فرصة للشيطان ليزيد من الألم، بينما تقبله كعطية بسماح من الله هو فرصة للإشتراك في المجد!

فالمرض دواء لشرور النفس، وأن كان الألم هو نتيجة الخطئية فالألم يحررنا من قيود الخطيئة!

وبحسب مار اسحق ويوحنا الدرجي: المرض وسيلة لقتل الشهوات، وتطهيرًا للأخطاء.

ليس عبثًا أن يسمح الله بمرض يحسب مقداره، ويعرف توقيته، ويجهز مكافأته لمن يحتمله بشكر.

والذين يعانون أمراضاً مختلفة في هذه الحياة معرفتهم أنه يمكنهم تمجيد الله من خلال معاناتهم يهوِّن عدم تأكدهم من سبب سماحه لهم بالمرض، وهو الأمر الذي قد لا يفهمونه بشكل كامل حتى ذلك اليوم الذي يقفون فيه في محضره في الأبدية. في ذلك الحين سوف تجاب جميع الأسئلة، أو بمعنى أدق لن نعود نهتم بتلك التساؤلات.

الأمر الهام أيضًا أن الله لا يفرح بتعبنا، بل يتألم لألمنا، ولا يتحمل دموعنا، بل هو الذي بكى أمام ما فعله السقوط والموت والمرض بطبيعتنا، هو يشعر بك، ويحس بمقدار المعاناة، هو أكثر من تألم لذلك هو أقدر من يعيين المجربين بكل ألم.

فالذي يريد التشبه بالسيد المسيح ويصبح ابنه عليه أن يتحمل الضيقات وخاصة أمراض الجسد بحسب القديس مقاريوس، فالمرض جزء من الضيقات التي بها ينبغي أن ندخل ملكوت السموات.

فالمرض يذّكر الأنسان دومًا أنه في احتياج لله، فيسرع إليه بالصلاة، ويتخشع امامه، ويتقوى ايمانه، ويعرف مقدار ضعفه فتنسكب عليه تعزيات القدير!

وفي صلاة المريض قد لا تحمل بالضرورة شفاءً للجسد اذ إن الله يمنح الإنسان ما هو أنسب روحيًا له، علمًا أن استمرار المرض أحيانًا قد يفتح المجال للعناية الإلهية لتعطي ما هو أكثر خيرًا، لذا وجب أن نطلب في صلاتنا أن يعطينا الربّ ما هو الأفضل لخلاصنا دون أن نُصرّ على التعافي الجسديّ، واضعين أنفسنا تحت مشيئته وإرادته بكل ثقة وتسليم واتضاع، لأن المريض يطلب في معظم الأحيان تحقيق إرادته الّتي تتوق إلى التحرّر من الأوجاع. في الواقع، إن هذا التحرّر من الإرادة الخاصة يُظهر تواضعًا وحبًا خالصًا لله مع عدم أنانية، وهو يؤول الى شفاء النفس قبل الجسد، وأجره عظيم عند الله.

علينا أن نذكر بأن رحمة الله تتأجّج في أعماق لجّة اليأس البشري، وأنه في الضعف يُظهِر الله كمال قوته في المتألم “لأن قوتي في الضعف تكمل”، فالربّ بنفسه يسهر على المريض ويحفظه من اليأس ويساعده في تخطي ضعفاته وصعوبات حالته. فالربّ يُظهر محبته للنفس المريضة على قدر صعوبة الأحزان الّتي تواجهها “أَلقِ على الربّ همك وهو يَعُولُكَ”….

كما يجب أن نتذكر أن الله لا يسوس العالم بالمعجزات، بل أن المعجزة الحقيقة هى أن نتصالح مع الله، ففي حياة المسيح على الأرض لم يشف كل المرضى ولم يقيم كل الموتى وحتى الموتى الذين اقامهم ماتوا ثانية!

وبولس الذي كانت مناديله وعصائبه تشفي الأمراض هو نفسه كان يحمل فى جسده شوكه المرض!

وفى رأى الآباء أن القديسين تحت الضعف والمرض لئلا نعتقد نحن وهم أنهم فوق الطبيعة أو أن الله يميز فئة من البشر، أو أن المرض عقاب للخطاة...

الله لم يكن أبدًا مسبب للمرض الذي هو من ثمار الطبيعة الخاطئة... إلا أنه يحول كل الأشياء لخير الذي يحبه ويثق فى أرادته الصالحة. لذلك علينا أن نُخرِج الله من قفص الإتهام حتى نقدر أن نستدعيه لأعانتنا!

ولا يقدر أحد أن ينكر وجود الألم.... لكن ألهنا المتألم يقدر أن يعين المتآلمين والمجربين...

والعامل الأكبر ليس دائمًا في «الفعل»، أنما في مرضوض هذا الفعل... فالعبرة ليست في المرض بل في تجاوبنا معه... مثل الأضطهاد الذي وقع على الكل في فترة فأخرج إما شهداء أو مجدفين، الشمس التي يُذيب الثلج هى نفسها التي تُيبس الطين!

أخيرًا...

+ المرض هو الأتون الذي يتجلّى فيه الله...

+ المرض هو فلك النجاة، من كبرياء الصحة...

+ المرض هو المركبة النارية الصاعدة بنا إلى السماء...

+ المرض هو الحوت الذي يحفظنا من الغرق في أوهام العالم الكاذبة...

+ المرض هو السجن الذي حفظ يوسف ليرتقي كرسي العرش بعد حين...

+ المرض هو المذبح الذي وضع عليه ابراهيم أغلى ما عنده، وتألم وتجرب، ولكنه تعزي..

+ المرض هو الصليب الذي بدونه لا توجد قيامه..

+ المرض هو ألم الولادة، الذي به نضع أنفسنا مولودة في الملكوت...

+ المرض هو الجزيرة التي تُنفي فيها أنفسنا في وحدة، ولكن فيها نرى رؤيا...

+ المرض هو المرحلة التي تموت فيها حبة الحنطة، لكنها بعد ذلك تأتي بثمار كثيرة...