سبعة عشر قرنا على استشهاد البابا بطرس اﻟ 17 – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » سبعة عشر قرنا على استشهاد البابا بطرس اﻟ 17 – القمص أثناسيوس فهمي جورج
الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » سبعة عشر قرنا على استشهاد البابا بطرس اﻟ 17 – القمص أثناسيوس فهمي جورج

كارت التعريف بالمقال

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب القمص أثناسيوس فهمي جورج
الشخصيات البابا بطرس الأول (خاتم الشهداء) - بابا الأسكندرية رقم 17
التصنيفات أدب مسيحي, سير قديسين وشخصيات
آخر تحديث 12 مايو 2020
تقييم الكتاب من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية

سَبْعَةُ عَشْر قَرْنًا عَلىَ استِشْهَادِ البَابَا بُطرُس اﻟ ١٧

تمر اليوم سبعة عشر قرنًا على استشهاد القديس "بطرس خاتم الشهداء البابا اﻟ ١٧" في عداد باباوات الكنيسة القبطية... الذﻱ قاد الكنيسة في زمن الاضطهاد والهرطقات والاستشهاد، ناظرًا إلى احتياجاتها، مدبرًا لها دون أن يتوارَى حتى نال إكليل الشهادة (سنة ٣١١م).

وُلد في عيد الرسل وتسمي على اسم بطرس أول الرسل، وتأهل بالتلمذة على يد "البابا ثاؤنا" وبالدراسة؛ حتى صار عميدًا لمدرسة الأسكندرية اللاهوتية، وقد لُقب بالمعلم البارع في المسيحية، وحباه الله بمواهب الشفاء وإخراج الشياطين. هذا ويذكر التاريخ أن السيد الرب ظهر للبابا ثاؤنا عند انتهاء أيامه وأخبره (يا ثاؤنا أيها البستاني للحديقة الروحية كنيسة الله، لا تخف على البستان... لأن بطرس سيرويه من بعدك... وتعالَ أنت لتسترح مع آبائك).

ثم بعد أن رقد البابا ثاؤنا بسلام صار "بطرس" بطريركًا في وقت انفجرت فيه موجة اضطهاد قاسية بدأها دقلديانوس (٣٠٣ م)، فواجه في حبريته مشكلة عودة الجاحدين إلى الإيمان من الذين سبق وقدموا السجود للأوثان... ووضع القوانين المعروفة بمجموعة القوانين الكنسية Nomo - Canon، νομο - κάνων، وواظب على إرسال الرسائل الفصحية. وقد اشتهر باعتداله جامعًا بين الأبوّة والحزم، فاتحًا أبواب التوبة والرجوع لأولئك الذين ضعفوا تحت الضيق، شريطةً أن يُظهروا ثمر الإيمان والتوبة اللائقة. كذلك أعطى قانون توبة للغافلين والنائمين، وعامل الرعية بالرحمة والأخوّة، وطبّق القوانين على أساقفة الكراسي والإكليروس.

اتفقت القوانين التي وضعها مع المبادئ الأساسية للكنيسة الأولى التي لا تشجع على الاندفاع والتهوُّر وأعمال الإثارة؛ لأن الاستشهاد هو كمال الحب الإلهي الذﻱ لا يُغتصب بالإثارة... فالمسيحي الذﻱ يُشعل نار الاضطهاد بإثارته المقاومين إنما يدخل بإرادته في التجارب. كذلك أظهر الترفق الأبوﻱ بالضعفاء والخائرين والهاربين، وقد اتضحت حكمته ورزانته الروحية التي تكمن وراء كل قانون حسب المبدأ الكتابي الذﻱ يؤيده. فلم تكن القوانين التي وضعها فلسفيةً أو منطقيةً فقط، بل لها أساسها الكتابي واللاهوتي، من أجل حل مشكلة الراجعين والمرتدّين وعدم غلق أبواب الخلاص في وجوههم بعد أن حمل بعضهم علامات يسوع في أجسادهم وناحوا على سقطاتهم.

لم يقبل "البابا بطرس" مطلقًا أن يكون جامدًا في وجه الراجعين للإيمان مهما يكن الثمن!!! وتمسك بالأساس الإلهي والكنسي المملوء أمانًا وسلامًا. هذا وقد أحاط نفسه بصحبة من الآباء الحكماء المتّزنين المتعقلين. وقد قاد السفينة بإلهام ووداعة وتعقل واحتمال شديد... لم يشترك في خطايا الآخرين ومتاهاتهم الكلامية في زمن اشتدّ فيه الاضطهاد والانقسام وبزغت فيه بدعة أريوس.

قام البابا بطرس بحرم أريوس الهرطوقي، وأعلن حرمه (ليكن أريوس محرومًا في هذا العالم وفي الدهر الآتي، ليس له نصيب في مجد ابن الله يسوع المسيح ربنا). هذا وأخذ البابا بطرس تلميذيه الكاهنيْن أرشيلاوس وألكسندروس اللذيْن صارا بطريركيْن من بعده؛ وقال لهما على انفراد (ليعينني الرب إله السماء حتى أتمم شهادتي على اسمه) وأوصاهم بالحذر من هرطقة أريوس التي فاقت كل شر. ثم روى لهما رؤياه عندما رأى وجه المسيح المنير وهو يرتدﻱ ثوبًا كتانيًا ممزقًا إلى اثنين؛ من الرأس حتى القدمين، وقد أمسك بيديه جانبي الثوب وهو يضمهما إلى صدره!! وعندما سأله البابا بطرس: مَن الذﻱ شق ثوبك يا سيدﻱ؟ أجابه: أريوس هو الذﻱ شقه، فلا تقبله في الشركة؛ ولا تحله من حرمانه.

هذا ونتلمس في سيرة القديس بطرس وفي كتاباته الصورة الحية للعمل الرعوﻱ وقلبه المحترق على الدوام من أجل الكنيسة المضطهدة ومن أجل الافتراقات والانقسامات... لكنه لم يداهن أو يساير الهراطقة ومحبي الظهور والمتشددين... كذلك في شجاعة تصدَى لحيل ومكر الأفاعي الأريوسية... وحفظ الرعية وساندها في مواجهة الاضطهاد العنيف الذﻱ بلغ من قسوته أن الوثنيين أنفسهم تحولوا إلى الشفقة على جيرانهم المؤمنين. وفي ترفقه وضع القوانين الخمسة عشرة، من أجل القبول الجماعي للجاحدين كبداية لمفترق طرق في حياة الكنيسة الأولى وتدابير تأصيل انتشارها. وأخيرًا تقدم شعبه في الاستشهاد وقدم شهادة الدم حينما طُلبت منه في شجاعة مسيحية منقطعة النظير.

سلم نفسه بين أيادﻱ الجنود مقتفيًا آثار سيده، وقال خير لي أن أسلم نفسي فديةً عن شعبي ولا يُمس أحدًا منهم بسوء... وقبيل استشهاده زار قبر "القديس مرقس الإنجيلي" وتحدث إليه (أيها الآب كلي البركة الإنجيلي الشاهد لآلام الرب؛ اختارك مخلصنا لتكون عامود هذا الكرسي ورئيس الكهنة الأول... وعهد لك بالكرازة في كل كورة مصر، وقد استحققت كرامة الإنجيلي الأسقف والشهيد، ثم اخترت الآباء البطاركة من بعدك... إنني بالصلوات والتضرع أستودعُ قطيع المسيح الذين اؤتمنتُ عليهم لك أيها المؤسس والحارس لكل الذين شغلوا هذا الكرسي بالتتابع). ثم سجد وصلى قائلاً (يا رب يا رب أتضرع إليك أن تقول سلامًا فتهدأ العواصف التي تحيط بكنيستك... وليكن سفك دمي أنا خادمك خاتمة لهذا الاضطهاد الحال بقطيعك الناطق. أمين). وقد سُمع صوتًا يقول بطرس آخر شهداء هذا الاضطهاد: بطرس أول الرسل وبطرس خاتم الشهداء.

واليوم تمر سبعة عشر قرنًا على استشهاده (٣١١م – ٢٠١١م)، نطلب بركته وصلواته وشفاعاته عنا... طوباك أيها الراعي الأمين والشهيد الشجاع المكرّم... يا مَن صرت رسولاً مثل التلاميذ في القول والفعل؛ في الرعاية والشهادة... حفظتَ الأمانة الأرثوذكسية من الأعشاب الغريبة المسمومة والأغصان الطفيلية، وتسلحت بعذوبة الصبر والدعة تجاه المنشقين كي تتمم إرادة الله في كنيسته... طوباك لأنك تحليتَ باليقظة والحذر واقتناء روح التمييز والصحو وتشجيع التوبة الحقيقية بالعودة إلى شركة الجسد الواحد بالكنيسة... طوباك بالأكاليل لأنك سبقت من ١٧ قرنًا بشهادة دمك؛ كما تسبق نجمة الصبح الكواكب الأخرى؛ حاملاً مشعل الإيمان بلاهوت عملي حي (لاهوت الواقع والمبادرات) لتجمع وتوحّد وتشجع وتضم وتكمل التدبير كما يليق.

7 ديسمبر 2011.