رؤيـة مسيـحيـة للعـمـل بمناسبة عيد العمال – الأستاذ بيشوي فخري

كارت التعريف بالمقال

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب الأستاذ بيشوي فخري
التصنيفات الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي, مفاهيم في الحياة الروحية
آخر تحديث 7 فبراير 2021

رؤيـة مسيـحيـة للعـمـل.... بمناسبة عيد العمال!

[يَسوعي، إنَّ سِمعانَ القيراونيّ، الّذي عاونَكَ بِحَمل الصّليبِ، كَان فلّاحاً عائداً من حَقلهِ تَعِباً من عَملِ النَّهار.

وسمعانَ بطرس، الّذي اعتَرَفَ بِكَ رَبّاً وإلهاً وعلى كلِمَتِكَ ألقى شَبَكَتَهُ، كان صَيَّاداً بَسيطاً.

وبولسَ الرّسول، الّذي لم يكُلّ ويتعب من إعلانِ بشارتِك للأُمم، كان حائكَ خِيامٍ.

لا عَجبَ ربي، وأنتَ النّجار، مِن أنّ أحبّاءكَ كُلّهم عُمّالاً، لإنَّهم وَعوا أنَّ مهمَّتهم التبشريّة لا تتعطّل بسببٍ من مهنَتِهم وأعمالِهم، بَل تأخذ أبعاداً شهاديّةً جديدةً.].

العمل حقّ.. العمل واجب.. العمل شرف.. العمل حياة..

فالعمل يعطي الانسان سعادة ومتعة.... والإحساس بالأنجاز يساعد الانسان على أستمرار الحياة،.

ولا طعم للربح بدون تعب... ولا تعب بدون عمل.... ولا عمل بدون ثمر!

والعمل شركة مع الله، إما فى الحفاظ على البيئة خليقته....

أو تعليم الاخرين فن الحياة السوية...

أو تسديد أحتياجات الانسان...

أو أكتشاف وتفعيل المواهب العقلية والبدنية التي منحها الله لنا!

والعمل يخلق تقارب وترابط بين الناس، فلا يحيا كل فرد فى جزيره منفصلة بل يُقِّرب الشخص بأخيه الانسان المختلف معه فى مهنته ليشبع تكامل أحتياجاته....

والعمل يقاس بمقدار الأمانة... وليس المكانة!!

فكم من رئيس متواكل كسول...

وكم من مرؤوس مجتهد صبور!

وكم من أصحاب مهن بسيطة شرفاء،.

مقابل رؤوس تبدو عظيمة بلا ضمير!

ولم يُصيِّر السيِّد المسيح الحجارة خبزًا في التجربة على الجبل، مع أنّه يستطيع بالطّبع، ولكنّه لا يريد أن يأكل خبزًا بهذه الطريقة غير الطبيعيّة.. مُعلِّمًا إيَّانا ألاّ نطلب أن نأكل خبزًا عن طريق المُعجزات، أو الحلول السهلة.. بل لابد أن نتعب في العمل ونعرق لكي نتحصَّل على خبزٍ نأكله..!

وفي مَثَل الوزنات، يتّضِح لنا أهمّيّة المتاجرة بالوزنات، أي أن نعمل بالإمكانيّات الموهوبة لنا من الله ونستثمرها.. والحساب في اليوم الأخير يكون على هذا الأساس؛ هل نحن عملنا وتاجرنا بوزناتنا وربحنا، أم لا؟! مع ملاحظة أنّ العبد الكسلان قد عوقِب عقابًا شديدًا لأنه... لم يعمل!!

كما كتب القديس ابيفانيوس أسقف سلاميس أنه يليق بالمسيحيين ألا يكونوا عاطلين أو بلداء أو يأكلوا فى غير أوقات الاكل، بل يلزمهم أن يعملوا بأيديهم.

وفى الدسقولية التي هى تعاليم الآباء الرسل... "كن منشغلاً بما هو للرب، أو منشغلاً بعملك ولكن لا تكن عاطلاً".

وكثيرًا ما هاجم القديس يوحنا ذهبي الفم الاغنياء ليس لانهم أغنياء ولكن لأنهم كسالى بلا عمل. وأوضح فى عظاته عندما كان يتحدث عن الفقراء كان يقصد العاملين الكادحين لذلك عندما يمتدح الفقراء يمتدحهم لا على فقرهم، بل على جهادهم وكفاحهم فى العمل، وأنهم يعيشون بتعب أياديهم. لأنهم يتعبون لكى يعولوا عائلاتهم.

وأكد الآباء أن الكنيسة تُعطي لمن لا يقدر، وليس لمن لا يريد العمل!

لأنها إذا أعطت الكسالي تشجعهم على البطالة، وتسرق حق غير القادرين.

كذلك حذر الكثير من الاستغراق في العمل... وأن يكون العمل هو محور الحياة بأكملها فتتصاغر جانبه باقي أنشطة الحياة!

لعلّنا نتذكَّر قصّة الراهِب الذي أتى ليسكُن في أحد الأديرة، وعندما طلب منه رئيس الدير الاشتراك مع الرهبان في العمل اليدوي امتنع بحجّة التفرُّغ للصلاة والقراءة والتأمُّل.. وعندما جاءت الساعة الثالثة ظهرًا، وهو موعِد تناوُل الطعام عند الرُّهبان في القديم، لم يَدْعُهُ رئيس الدير للأكل معهم.. وبعد فترة من الوقت أحسّ ذلك الراهب بالجوع الشديد، فخرج من الكنيسة، وذهب لرئيس الدير قائلاً: أَمَا أكل الرهبان اليوم؟ فأجابه الرئيس: بالفعل أكلوا. فقال له الراهب: لماذا لم تدعُني للأكل معهم؟ فأجاب الرئيس: لماذا أدعوك وأنت تهتمّ فقط بالقراءة والصلاة، وترفض العمل معهم.. ومكتوبٌ “إن كان أحد لا يريد أن يشتغل، فلا يأكُل أيضًا” (2تس3: 10).. عندئذ ندم الراهب على خطئه، وصنع ميطانية لرئيس الدير طالبًا المغفرة، مُعلِنًا استعداده للعمل مع إخوته الرهبان.. فقال له الرئيس:

« إنّنا نحتاج إلى “مرثا” كما نحتاج إلى “مريم”، ومريم مُدِحَت بمرثا»..!!

وقد قال السيد المسيح: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو5: 17).

وقد كُتب في بستان الرهبان: «حضر إلى الأب لوقيوس رهبان من أولئك الذين يدعون مصلين الذين يحبون الصلاة ولا يحبون العمل فسألهم عن عمل أيديهم؛

فقالوا له: نحن لا نهتم بعمل اليدين إنما نهتم بالصلاة الدائمة كقول الرسول, فقال لهم الشيخ: أما تأكلون وتنامون؟

فقالوا: نعم,.

فقال لهم: فإذا ما جلستم تأكلون وإذا نمتم فمن يصلى عنكم؟

فتحيروا ولم يجدوا ما يجيبون به,.

فقال لهم: اغفروا لى فإن عملكم ليس كقولكم لكنى أريكم كيف أمارس عمل يديَّ وأصلى دائمًا وذلك بأني أجلس بعون الله وأبل خوصًا وأضفر الضفيرة وأقول: ارحمني يا الله كعظيم رحمتك وككثرة رأفتك امحُ إثمي؛ أفما يعتبر ذلك صلاة؟

قالوا له: نعم,.

فقال لهم: إذا مكثت هكذا طول النهار أعمل وأصلى فيكون لي عن عمل كل يوم ستة عشر فلسًا فأعطى منها فلسين وآكل بالباقي ويصبح آخذ الفلسين مصليًا عنى في وقت أكلى وفي وقت نومي وبنعمة الله تكمل لي الصلاة الدائمة كأمر الرسول.

أنتم تقولون إنكم تصلون, لكن وقت الطعام ووقت النوم لا يصلى أحد من أجلكم, إنما أنا أشتغل وأتصدّق من عمل يدي والإنسان المسكين الذي يأخذ هذه الصدقة سيصلى لي أثناء نومي وأكلي.. صلواته هذه ستكون عوضًا عن صلاتي وبهذا أكون قد تممت الصلاة الدائمة بواسطة هذا الإنسان, وفي وقت العمل أيضًا أصلى, وبهذه الطريقة أكون قد صليت أكثر منكم.

وإذ أمارس عملي فإني بذلك أقهر شيطان الملل والشهوة لأن الملل يؤدى إلى البطالة والشهوة كائنة في البطالة».

والعمل فى الحياة الرهبانية جزء من البرنامج اليومي، وسبيل من سبل الجهاد وفى بدء الحياة الرهبانيه للراهب الشاب تزيد أوقات العمل عن أوقات الصلاه ثم يقل أوقات العمل وتزيد أوقات الصلاه مع تقدم السن وزيادة الخبرة الروحيه وخفة حروب الشهوه... إلا أن الاباء المختبرين جعلوا من العمل طريق الروحى لعدة أسباب:

+ أولًا: العمل يخفف عن الراهب الثقل والملل, فالقديس الأنبا أنطونيوس عندما كان في ملل ظهر له الملاك وهو يشتغل حتى يعلمه وقال له: اعمل مثلى والملل والضجر يذهبان عنك.

+ ثانيًا: العمل يعطى فرصة للراهب أن يأكل من عمل يديه ويعطى صدقةً للآخرين؛ لكي يعمل عمل الرحمة ويشعر أنه تعب في عمل الرحمة هذا. يوجد إنسان يصنع صدقة من صدقة تأتى له, بمعنى شخص يتصدق عليه آخر بخمس خبزات فيتصدق هو بخبزة.. بالفعل يكون قد عمل عمل رحمة إنما هذا على حساب الآخرين فالذي أعطاه هو الذي سيأخذ أجر هذه الرحمة, ولكن الذي يتصدق من عمل يديه يكون إنسانًا مُثمرًا أو منتجًا.

+ ثالثًا: العمل أيضًا يمنع الشرور التي تتولَّد من البطالة في حياة الإنسان مثلما قال الأب لوقيوس [الشهوة كائنة في البطالة] أحيانًا البطالة تساعد على خمول الجسد ولهذا قال القديس موسى الأسود: [أهم أسلحة الفضائل هي إتعاب الجسد بمعرفة فالكسل والتواني يولدان المحاربات].

وقال أيضًا [اتعب جسدك لئلا تخزى في قيامة الصديقين] و.

[لا تحب الراحة ما دمت في هذه الدنيا].

«نوصيكُم.. أن تتجنّبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب (لا يعمل في عمل منتظم ثابت) … إذ أنتم تعرفون كيف يجب أن يُتمَثَّل بنا لأننا لم نسلك بلا ترتيب بينكم، ولا أكلنا خبزًا مجّانًا من أحد، بل كُنَّا نشتغل بتعبٍ وكدٍّ ليلاً ونهارًا، لكي لا نُثقِّل على أحد منكم.. لكي نعطيكم أنفسنا قدوة حتّى تتمثّلوا بنا… إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكُل أيضًا. لأننا نسمع أنّ قومًا يسلكون بينكم بلا ترتيب، لا يشتغلون شيئًا بل هم فضوليون. فمثل هؤلاء نوصيهم ونعِظهم بربِّنا يسوع المسيح أن يشتغلوا بهدوء ويأكلوا خبز أنفسهم… وإن كان أحد لا يطيع كلامنا.. فسِموا هذا ولا تخالِطوه لكي يخجل. ولكن لا تحسبوه كعدو بل انذروه كأخ…” (2تس3: 6 - 15).