حالة الطوارِئ الرعائية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي » تأملات روحية مجمعة » حالة الطوارِئ الرعائية – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

في العالم يعلنون “حالة الطوارئ” عندما تحدث أزمات كبرى تتسبب في الفوضى والفلتان والتسيب ، عندئذٍ يكون لا مناص من حزمة تدابير تستعيد المسار السليم ، سواء بالإفاقة أو بالجراحة… ونحن نعيش في عالم غاية التعقيد ، يحتاج إلى عمل رعوﻱ جدﻱ ومضاعف … “أحْقَاء ممنطقة وسهام مسنونة وقِسِيٌّ ممدودة”. لأن الكنيسة التي لا يعرف أبناؤها إيمانهم السليم ويعيشونه ليست كنيسة ، والكنيسة التي تواجه ما تواجهه الآن ، تجتهد بكل حرص في خدمة الكلمة والتعليم والعبادة والشركة وأعمال الرحمة والمحبة ومساندة الضعفاء وأسر الشهداء والجرحىَ وضحايا العنفاء ، حتى تحتفظ بذخيرتها وتربح بوزناتها “غرس الكرم المختار + بناء البرج + نقر المعصرة + ثمر متكاثر” . جهل الناس بجوهر إيمانهم وبعقيدتهم وبقداسة كنيستهم ، على نحو مأسوﻱ يحتاج إلى نهضة تعليمية ووعظية ، مغموسة بالمحبة والقدوة ، إذ لا جدوَى من خدمة الكلمة من دون الخبرة والتلمذة … كمجال الماء للسمك ، وما ليس من البركة وتأصيل التقوى لا يليق السعي إليه في خدمة كنيسة المسيح !! حيث النعمة هي التي تقود لا القدرات ، لأن كل تدبير بالنعمة يزداد ويمتد وينجح ويربح . لذلك حالة الطورائ الرعائية تستلزم “تكامل المواهب” وتفعيلها بإعتبارنا أعضاء بعضنا لبعض ؛ كل واحد للآخر (رو ١٤ : ١٩) لبنيان الجسد كله . حتى الأعضاء الأقل ؛ يعطيها الله كرامة أفضل ، من أجل الاهتمام الواحد والكلي بالأعمال الرسولية والنبوية والتعليمية والشفائية والتدبيرية في سياق عمل الرعاية الإلهي . وأﻱ عمل رعوﻱ خالٍ من المحبة والتقوى حتى ولو تم بقدرات مزعومة ؛ يكون أرضيًا ونفسانيًا وشيطانيًا ومختلسًا وذاتيًا وتكريسًا للغرور والمجد الفارغ . إننا نحتاج إلى إفاقة وصحو في اجتماعات الصلاة والسهر وفي عيش الإنجيل عمليًا، حتى لا نضل ، وحتى لا نعمل أعمالاً بشرية أو نقدم صيغًا دماغية كلامية أو تراكيب أخلاقية أو عبادة فلكلورية ، ثم نظن أننا على درب الأمانة المستقيمة ، كذلك لا بُد من إحياء القانون الكنسي المنظم للرعاية حتى يتم حسم كل ما هو غريب ومستهجن وكل ما هو ضد استقامة الوحدة والوصايا العظمى ، التي علينا أن نلبسها ونتبعها ونُكثر منها ونحث عليها ، صادقين في كل الأمور . الكنيسة هي الكنيسة ، هي لم تختزل ولم تستقِلّ ولم تتحور ، وهي ليست سوبر ماركت ؛ وهي لا تكتفي بتصريف الأعمال ، لكنها مجيدة ومختصرة ولابسة للبر كأم ولود وكفُلك وحظيرة ومرعًى ومستشفى وميناء ، فهي تعمل عمل مسيحها وفق خطة إلهية شاملة متكاملة في طوارئ على الدوام ، عاملة مادام نهارًا حيث تقترب الأزمنة ؛ بينما هي راكضة لتُعد لله شعبًا مستعدًا … مهتمة بالمعرفة اللاهوتية العميقة والعبادة ودراسة الكتاب المقدس بلغاته الأصلية وفهارسه ومعاجمه المعاصرة ، لاقتناء المعرفة اللاهوتية التفسيرية المنهجية المضنية ، والمؤسسة على وعي رعوﻱ وثقافة واسعة ، نابعة من عقول راجحة ورؤية رعوية واقعية ، حسب منهج التفسير الآبائي (الروحي والواقعي) ؛ ووفق تقليد وطقس الكنيسة ومسيرتها نحو الملكوت السماوﻱ ، غير متجاهلة الواقع التاريخي وعلامات الأزمنة والمقاصد الإلهية . إن تحديات ومتغيرات كثيرة ، تستلزم رعاية طورائ ، مع كل هذه الإحصائية من الكنائس المهدمة وقائمة الشهداء الطويلة والممتدة والخسائر والاستنزاف الاقتصادﻱ وأحداث الخطف والأسلمة ، ومع الضغوط العنيفة التي يتعرض لها كل مسيحي في كل موقع ، إضافة للهجوم الإيماني والإلحاد والإباحية… كل ذلك يستوجب (رعاية العمل وعمل الرعاية) وملازمة الكلمة الصادقة التي تواكب الأبعاد السياسية والحضارية والكونية بكفاءة روحية وعلمية وتربوية ، لتسكن الكلمة في القلوب وتشبع العقول وتروﻱ النفوس وتفتدﻱ الذين في الأتون ، فإن كانت جذورنا مع المسيح في السماء ؛ لكن ثمارها لا بُد أن تكون هنا على الأرض ثمرًا وفيرًا لحسابه ، كصورة الوحدة بين الثالوث والثبات فيه . لقد شكلت الكنيسة لجنة أسمتها (إدارة أزمات) فياليتها لا تكون قاصرة فقط على علاج ردات الفعل ، لكن تتعاطَى مع الوقاية بالاستباق ، لأن دِرْهَم وقاية خير من قنطار علاج… لهذا لا بديل عن أن يولد من رحم الطورائ ، بداية العمل المؤسسي ، للانتقال من الشخص إلى المؤسسة ، لماسسة الأعمال الرعوية الحيوية ، لتكون منظمة وقائمة بذاتها روحيًا وإداريًا وماليًا ، فالقادة الناجحون ليسوا هم الذين ينفردون بإحتكار القيادة ، بل هم الذين يصنعون قادة ويدربونهم ويرفعونهم إلى مرتبة الشركاء . تحقيق المعادلات الصعبة يتم بحفظ العهود والتعهدات والنذور بالقدوة، حتى يتم الوفاء بالاحتياجات الرعوية الطارئة والمتزايدة ، والتي بها تتحقق صورة الكنيسة الحية ، بخدمتها الرعوية المؤسسة على أساس نعمة الإنجيل وواقعية الآباء ، فتسير على عارض (كما في السماء كذلك على الأرض) لأن كل لاهوت هدفه رعوﻱ، هدفه الإنسان ، هدفه خلاص النفس… فهو ليس مجرد علم ولا ترفًا فكريًا أرستقراطيًا لا علاقة له بالواقع ، لكنه كنيسة للعالم المصغر كما يريده الله في المسيح يسوع … وسيكون ذلك كذلك ؛ متى تمسكنا بإقتفاء أثر الرعاة وبطقس الطاعة وحمل الصليب والتدبير الحسن ، لنصير شركاء في نصيب الابن الوحيد راعي الرعاة الأعظم .