جاذبية الأرثوذكسية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » عقيدة » دراسات عقيدية مجمعة » جاذبية الأرثوذكسية – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

آخر تحديث: 12 مايو 2020

جَاذِبِيَّةُ الأُرْثُوذُكْسِيَّةِ

تعتمد الكنيسة الأرثوذكسية على كيف يصوغ التسليم والإجماع القديم للكنيسة الحياة اليومية الخاصة للشخص؛ لا على أهواء الأفراد الشخصية؛ لكن وفقًا لرؤية عموم الآباء وخبرتهم الحياتية التي عاشوها منذ أيام كنيسة الرسل الأولى؛ مرورًا بقديسي المسيحية الكلاسيكية القديمة؛ في سيرتهم وسلوكهم وكتاباتهم وعظاتهم وأقوالهم... فكل أرثوذكسي لا يدرس ويختبر عظمة وعمق أعمال الآباء أغناطيوس وإيريناؤس وديديموس وأثناسيوس وكيرلس وأمبرسيوس وباسيليوس وغريغوريوس النزينزﻱ والنيصي وذهبي الفم وكبريانوس وهيلارﻱ ومثيوديوس وأوغسطينوس ومارأفرام والسروجي، يكون أمِّيًّا.

عندما نجلس عند أقدام هؤلاء الآباء والكُتّاب المسيحيين القدامى؛ نكتشف الجمال الأرثوذكسي المعاش وخبرة التقوى الحية والثروة المشتركة، وحينئذٍ نكتشف هويتنا وأننا أولادهم ونسير على خطاهم... فبدون الخبرة والتذوق واقتفاء آثار الأولين، سنتوه في ظنوننا، أما إذا عزمنا على أن نتعمق ونرى جاذبية كنيستنا؛ فلا بُد أن ندخل إلى عمق تفسيراتهم وشروحاتهم وعظاتهم؛ ونقرأ أقوالهم وميامرهم، ونتأمل خبرة حياتهم ودلائل إيمانهم الأقدس. عندئذٍ سنجد هذه النصوص والسِيَر تفسرنا وتدلنا على الطريق، وتعفينا عن أن نسأل حزمة من الأسئلة والمعضلات، بل وكل سؤال نظن أنه جديد ومتعلق بالتطور الإنساني والاجتماعي، سنجد أنه قد أُجيب عنه، وأنهم يأخذوننا بأعمالهم وقدوتهم وبكلمات منفعتهم الذهبية إلى عتبة الدخول في حكمة أجيال كنيسة الإيمان الأصلية؛ والتي ستصير لنا واقعًا حيًا ومعاشًا، الآن وهنا؛ لو أردنا وتجاوبنا واهتدينا واقتدينا.

كنيستنا قائمة منذ البدايات؛ منذ زيارة العائلة المقدسة إلى كورة مصر؛ بل ومنذ نبوات العهد القديم؛ ثم كرازة الكاروز مرقس الرسول الإنجيلي والشاهد لآلام الرب يسوع.. فهي لم تبدأ بنا؛ لكنها في نمو متزايد من جيل إلى جيل، بدون ابتداع أو اختزال... وها نحن الآن نقرأ قراءات الكنيسة عينها في الزمن الليتورچي، ونحيا العبادة بروحانية تقواها المصدرية، ونصلي قداساتها التي وضعها الرسل والآباء الرسوليون والقديسون باسيليوس وكيرلس وذهبي الفم، ونكون في عِشرة الملائكة والقديسين ونسبح معهم ذكصولوجيا تسبحة التقديسات والتسبحة الشاروبيمية وتسبحة الغلبة والخلاص؛ وتسبحة عبور البحر الأحمر وتسبحة الفتية في أتون النار، في روعة وجمال كالقيام في السماء.. ونتبع مسيحنا بكل قلوبنا ونخافه ونطلب وجهه، مع الأولين ومع كنيسة الأجيال كلها.. ناظرين أمواج الروح المضيئة التي تنبع من لغة الكنيسة اللاهوتية وبُعدها الطقسي النابع من عمق خبرة روحية سرائرية ومستيكية.. بخبرة اللمس والسمع والرؤية والشم والفكر والذهن والسجود لكل معرفة كنسية على مر الأزمنة، والتي تتجدد دائمًا ولا تفرغ أبدًا.. ممجدين الله ذكصولوجيا؛ لأنه أظهر لنا ذاته في بهاء وجمال الحب والحق... وجعلنا أهلاً لمعاينه إشعاعات شمس الثالوث، بإمتلاكنا لمعرفته المعاشة في كنيسته طبقًا لوسائل العقل الإنساني المتعددة بواسطة الكلمات المرنمة في القراءات والملحنة في الألحان والمرسومة في الأيقونات.

إننا نلمس ونستمع تفسير الآباء ديديموس وكيرلس وأثناسيوس وباسيليوس وجيروم وذهبي الفم وأوغسطينوس وأمبرسيوس، عندما نقرأ في مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية Nicene and post Nicene Fathers، آباؤنا كانوا صُنّاعًا حقيقيين للرسالة، ومعلمين بالحياة والتعليم، حتى بلغوا قوبنا سريعًا، وكأنّ رسالتهم الواقعية حديد مطروق.. تناولوا ورقًا وقلمًا وفُرشاة؛ فألّفوا سيمفونيات التسبيح اللذيذة ورسموا الفن المعمارﻱ واللحني والأيقوني المعبِّر عن زخم وزاد الأرثوذكسية... كذلك أخذوا الزهرة من البستان وصنعوا منها بخورًا ذكيًا طيبًا، وأنتجوا الشمع من خلايا النحل ليكون نورًا قُدسيًا، ثم أخذوا الخيوط والأقمشة ونسجوا منها اللفائف والملابس والستور فجعلوا الكنيسة كونًا مقدسًا.. ومنهم تعرفنا على حياة وتاريخ كنيستنا؛ وعلى قوانينها ودايدكياتها وليتورجياتها وأحكامها الرعوية، ليس فقط كإعلانات عقيدية وأمانة اعتراف لاهوتي، واردة في المجامع المسكونية والمكانية التي صبت بالنهاية في المجامع المسكونية العامة للحقبة الأولى من المسيحية، والتي صارت ملكًا خصوصيًا لنا بالحقيقة؛ لكن كسيرة حياة الكنيسة عبر الزمان والمكان.

إن كل من يسأل يُعطىَ ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له، والأعماق تنادﻱ أعماقًا؛ والغمر يتجاوب مع الغمر، ويالعظمة ودهشة روحانيتنا الأرثوذكسية ذات الصبغة الاستعلانية للخلاص الداعية إلى عمق التقديس الدائم؛ حسب وديعة الإيمان والتقليد المقدس الحي، الذﻱ هو ليس آثارًا متحفية أو حجرية ميتة؛ لكن خبرة معاشة أنتجت قديسين وشهداء ومعلمين، في كنيسة إنجيلية رسولية سرائرية ونسكية حاملة للوديعة؛ حارسة وموصلة لها، تستمد منها حياتها اليومية على مدى تاريخها (٢١ قرنًا) ليكون دستور نظامها وخدمتها وترتيبها وهيرارخيتها ومعاملاتها؛ هي خبزها وزادها الذﻱ تقارن به الروحيات بالروحيات، مصبوغة بتعليم وفكر الآباء؛ ومشفوعة بإختباراتهم العاملة بالكلمة والمتمسكة بصورة الكلام والتعليم الصحيح، مفصلين لكلمة الحق بإستقامة؛ تدوينًا وحياة جنبًا إلى جنب؛ حتى أتت إلينا وصارت لنا نحن العائشين في القرن الحادﻱ والعشرين.

ليت الأجيال الصاعدة على وجه الخصوص؛ يجتهدوا بغيرة على ميراثهم الأرثوذكسي الرسولي الذﻱ ورثوه على مدي كل هذه القرون؛ وينهلوا من الروحانية المتأصلة في كنيستنا الأولى؛ فيقتنوا بركة وحلاوة صلوات الأجبية والابصلمودية والدفنار والخولاجي، ويدرسوا علوم البيعة وأقوال آبائهم العظام، ويدركوا بفهم تاريخها الرسولي الممتد وجمال التسبحة والعبادة وعشرة القديسين، ليدخلوا إلى مدلولات ومفاهيم الطقوس وعيشها عن فهم وقناعة عقلية، في شركة جمال الأيقونة ومعنى لاهوت الكنيسة ومبناها؛ مختبرين جاذبية كنيستنا وغناها.

7 مايو 2014.