بهاء للإكليروس – القمص أثناسيوس فهمي جورج

بَهَاءً للإِكْلِيرُوس

سِرّ الكهنوت هو السر الذﻱ تدُور حوله كافة الأسرار وجودًا وعَدَمًا؛ لأن الأسرار جميعها مرتبطة به، فهو عقل وقلب الكنيسة. وإن جاز التعبير هو سِرّ الكنيسة وطقسها كله. لذلك ”لا يأخذ أحدٌ هذه الوظيفة بنفسه؛ بل المدعو من الله كما هارون أيضًا“ (عب ٥: ٤). والكهنوت الموهوب للكنيسة من الله هو كهنوت دائم لا يزول؛ وهو على رتبة ملكيصادق، مستمد من الكاهن الأعظم رئيس كهنة الخيرات العتيدة.

ومن هنا لا تعطىَ الدرجات والرتب إلا على أساس الاستحقاق والأهلية؛ حسب ناموس مُنشئ الكهنوت.. فهي ليست للتكريم أو التبعية أو المَثُوبَة؛ حيث في النظام الإكليروسي لا ترقّي ولا سطوة ولا تسلط؛ لكنه تكليف إلهي ودعوة خدمة لمسئولية جليلة؛ لها أجرها السماوﻱ النوراني المهيب الصالح، من أجل تحقيق أهدافها ذات الصبغة الإلهية.

خدمة محفوظة ومعانة بقوة الروح القدس؛ تجعل مقامها في الأبدية كمقام الأربعة والعشرين قسيسًا الواقفين أمام العرش... خدمة لها بهاؤها الذﻱ يناله الكاهن؛ حال وضع اليد عليه؛ وحصوله على نِعَم وهِبَات الروح التي تمكِّنه من البهاء والعذرية العفيفة، كخادم وسفير ووكيل لسرائر الله، شفافًا يعكس إشعاعات التعليم والخدمة من غير دنس أو غش أو هرطقة.. إذ أن جُرح القدوة وعدم ضبط النفس يكون سببًا في انطفاء هذا البهاء.

نعمة سر الكهنوت تمنح حاملها هِبَاتٍ نورانية وكسبًا روحيًا؛ يتناسب طرديًا حسب تقدمه ونقاوته وأمانته وصدق رسالته، التي لا تتحقق إلا بالأيقونة، غير المنفصلة عن ذبيحة المذبح ومعايير الجهاد والتلمذة؛ وملاحظة التعليم في كل شيء، بتدقيق وتمييز يومي يُضرم الموهبة في حامل السر، فتستقر عليه النعم غير المنظورة حتى نهاية أيامه. وهي على أيَّة حالٍ تهبّ وتفاض حيث تشاء للوكيل الأمين الذﻱ يتاجر بوزناته؛ غير مرتبك أو مرتاب بعلة طمع أو مجد أو اضطرار أو ربح قبيح. فكلما كانت خدمة الكاهن بإنسكاب واختيار ورضىً ونشاط؛ كلما نال مواهب النعم؛ وزاد لمعان بهائه عند الله والناس.

لعل الحروب المعطلة في هذا المضمار تختص بالحسد والخصام والافتراء والظنون الخداعة (١ تيمو ٦: ٤)؛ تلك التي تحوِّل الخدمة إلى أسلوب تجارة وآلة غَيْرةٍ، لتجعلها تتجه إلى السيطرة والاستئساد؛ بينما القوانين والتعهدات الكنسية أمام رب الأرباب لا تعرف أنصاف الحلول ولا الاختزال. فلا مساومة فيها؛ لأن مَنْ ”يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء؛ لا يصلح لملكوت الله“ (لو ٩: ٦٢).. أمّا الامتداد إلى ما هو قدام؛ فهو بالنظر إلى ”الخدمة التي قَبِلها من الرب لكي يتممها“ (كو ٤: ١٧)؛ لأنه موضوع لهذا؛ كي تسكن فيه كلمة المسيح بغنىً، مداومًا على النمو في معرفة الله والسعي لحفظ الوديعة، بعيدًا عن مخالفات العلم والعمل الكاذب.

هذا وقد حفظت الكنيسة بروتوكول هيرارخيتها؛ من أجل مراعاة كل كاهن لمكان واستحقاق رتبته بين الدرجات، فلا يتجاوز حدوده ولا يجلس في غير موضعه، مخالفًا الترتيب اللائق لجيش وألوية إله القوات.. وهنا يتأسس الأدب الإكليروسي على الدعة والخضوع المسيحي في خوف الله، فلا يكون ناشئًا عن اهتزاز أو نفعية أو وصولية أو هستيرية شكلية منفِّرة؛ لأن جميع التدابير مربوطة بروح الإفراز؛ التي هي الغدة النخامية للحياة الروحية. حيث أن الأعمال المصطنعة والمزيفة تعطي مجالاً للغيرة، أما سلوك الإكليروس فلا بُد أن يتم برضائية طاعة، مستحبة وخالية من الذلة أو المداهنة، حتى يصير انضباطًا مرتبطًا بجندية رب القوات وعساكر معسكره.

هذا الانضباط يتم بوعي روحي، بعيدًا عن المجادلة والدمدمة وغَيْرَة التحزب والتشويش الرديء والتعالي؛ حتى لا يتشامخ منكرﻱ المسيح ويشمتون بسبب العثرات. لكي وبهذا تكون سلطة الكاهن نقية لا عيب فيها، سلطة روحية محبوبة لها نعمة الأبوة الخادمة، والخالية من المحاباة أو القهر.. مسنودًا بالعلم والتحصيل المُلْهِم للقلوب والنفوس؛ لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا.

إن كل صاحب دعوة له شروط يشترطها على مدعوّيه، وسر الكاهن الأعظم متعجب منه بالمجد، فهو يشترط شروطًا دقيقة حسب قيمة دعوة خدمته العليا، ولكنه يكملها سرًا لمدعويه؛ كي يخدموا مقدسات مقادسه. لذلك هو الذﻱ يؤسس فينا مسكنًا لراحته ينضح عليه بدمه، لنكون ذبيحة له ونكمل برحمته ونكون له لا لأنفسنا؛ لأن تزكيتنا ليست فيما نعمله أو نقوله فقط؛ بل فيما تشتهيه قلوبنا ونسعى لبلوغه في خدمة بيعة أجدادنا؛ حتى آخر نسمة في حياتنا. ذاكرين أن نجتهد ليكون سيرنا أثبت مما ابتدأنا، في وهج ولجاجه مستمرة.

مايو 2014.