الكِرَازَةُ التِكْنُولُوجِيَّةُ – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » عقيدة » اللاهوت الكرازي » الكِرَازَةُ التِكْنُولُوجِيَّةُ – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

آخر تحديث: 12 مايو 2020

الكِرَازَةُ التِكْنُولُوجِيَّةُ

إن الإنجيليين يقدمون في البشائر الأربعة أيقونات لفظية عن حياة وأقوال السيد الرب له المجد. وهو الذي لازال يأمرنا ويأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا؛ متغاضيًا عن أزمنة الجهل.. وهو الذي أقام يومًا؛ مزمعٌ فيه أن يدين المسكونة بالعدل، ونحن مطالبون بتقديم الإنجيل للجميع، مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا.

يسوع ربنا لم يكن يتواصل في حالة معتمة؛ بل كان يتكلم بسلطان، وكان يعلّم التعليم الجديد،؛ حاضرًا ومؤثرًا، يشرح بالأمثال؛ ويتفاعل ويجيب ويستجيب. لذلك تبعته الجموع أينما ذهب، وهتفت له الجموع. إنه أبرع جمالاً من بني البشر، وقد انسكبت النعمة من شفتيه، حَلْقُهُ حلاوة وكله مشتهيات، لذلك كل الذين سمعوه بُهتوا من أجل الكلمة التي كانت تخرج من فمه، وهو يشرق شمسه على الأشرار والصالحين؛ ويمطر على الأبرار والظالمين.

لم يكن ربنا يسوع يظهر على شاشات تليفزيونية بالمعنى العصري والحصري الذي نعرفه الآن؛ لكنه كان يبث في مخيلة ونفوس سامعيه صورًا عن ملكوت السموات كحبة الحنطة وحبة الخردل واللؤلؤة كثيرة الثمن. تكلم بأمثال وقصص وتعاليم وصور وتشبيهات، مستعملاً السمعيات والمرئيات ونماذج الطبيعة الإيضاحية التي تجسم الفكر الإلهي وتخترق القلوب والأمخاخ والأذهان، لتميز وتفهم وتطلب وتلتمس وجود الله؛ لأنه ليس بعيدًا عنا.

إن إنجيلنا بشارة خلاصية مفرحة، وُضعت علينا الضرورة لنبشر ونكرز به للخليقة كلها بقدوتنا وسيرتنا وكلماتنا وأفعالنا وسلوكنا؛ حتى تكون كرازتنا فعالة وحية. إن الإنجيل ليس قالبًا؛ بل واقعيًا حيًا معاشًا. نحمله بكل الوسائل والوسائط الممكنة لكي نحمل رسالة الخلاص للجميع. لقد دعا ربنا تلاميذه يوميًا لكي يعلنوا ويذيعوا خبر الإنجيل على السطوح؛ وينقلوا ما عاينوه وشهدوه ولمسوه وسمعوه همسًا وعلنًا في الآذان.

لن يوضع السراج تحت المكيال بل على المنارة لكي يضيء ويشرق على سطوح اليوم، ليس في منارات حجرية فقط بل رقمية وفضائية انترنتية تكنولوجية. فسطوح اليوم هي تلك الأماكن التي يجتمع فيها أبناء عصرنا؛ ليتردد فيها أصداء البشارة المفرحة (إنجيل خلاصنا) وكلمة الله الإلهية.. لذلك كرازتنا وخدمة بشارتنا مرسلة على سطوح اليوم في الإنترنت واليوتيوب والمدوَّنات والفضائيات والفيس بوك وتويتر.

نحن هنا في العالم لنتمم قصد الله، ولنكمل بنيان ملكوت الله الأبدي؛ فنكون شهودًا للواحد الوحيد، الذي أرسلنا لكي نعمل عمله، ووضع علينا الضرورة، والويل لمن لا يبشر به، والويل لمن لا يخبر بكم صنع به الرب ورحمَهُ؛ لأن الكرازة المعاصرة هي عمل فِلاحة يدمج البشرية والثقافة السائدة ووسائل الإتصال؛ وهذه الأجيال الرقمية في العمل الإلهي، بصوت صارخ غير مُسْتَحٍ بالإنجيل.

وبالطبع لن تكون الكرازة مجرد براعة من براعات العصر الحديث؛ لأن الأمر ليس انبهارًا أو إبهارًا... فالبشارة ليست مجرد كلام أو أفكار؛ لكنها روح وحياة وتوبة وصلاة، وحمل للصليب وتتميم الخلاص بخوف ورعدة، هي إيمان وأعمال؛ هي نعمة وجهاد قانوني.. لذلك لا يمكن أن تكون التكنولوجيا ذات مغزىً كرازي بدون رؤية إيمانية قدسية.. عندئذ يكون حَملنا للكرازة عبر وسائل الإتصال مليئًا بالمعنى، ورسالة انسكاب وربح للوزنات؛ كلٌ على قدر طاقته.

إن وسائل التكنولوجيا الأكثر فاعلية في قلب الواقع الكنسي، هي التي تبدأ وتستمر وتنتهي بعمل روح الله القدوس الذي يرشد ويعمل ويقدس ويقود الأمم، وهو مهندس اللغات الكثيرة؛ وهو الذي يعطي بقدرته اللغات المختلفة وترجمتها (١ كو ١٢: ١١)؛ في بلاغة الروح المحققة للتلمذة الحقة؛ للتوبة والحياة، وللإذعان للحق والبر والقداسة؛ والطاعة للمقاصد العليا ولفكر المسيح.