القَنَواتُ الفَضَائيّةُ – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » الخدمة الكنسية - اللاهوت الرعوي » قضايا مسيحية عامة » تعليقات على الأحداث » القَنَواتُ الفَضَائيّةُ – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

القَنَواتُ الفَضَائيّةُ

في ظل الفوضى البصرية المحيطة بنا، تنقل العديد من الفضائيات أفكاراً رثة تنم عن جهل وعقول صغيرة... أنتجت فتناً وبذاءات وقيماً منحطة، عبثت بالذوق التعبيري للمشاهدين وأشاعت التعصب والحماقات والإفساد، وبصرف النظر عن أمية وجهل القائمين على هذه الفضائيات، فإنها تغذي الوعي المغيّب للعامة... وها النتيجة وخيمة العواقب قد وقعت على الأمن الفكري والثقافي والإجتماعي، وبات الإعتقاد يترسخ بأن الأدوار التدميرية التي كان يُخشى منها منذ بث هذه الفضائيات، قد وقعت نتائجها في الشأن العام (مظاهرات عدائية – تخريب – حرائق – قتل على الهوية – مذابح داخل الكنائس وخارجها)، والأغلب الأعم منها قد أفرز أجواء مشحونة بالهلوسات والخرافات والأكاذيب والتشدد المقيت، إلى آخر المآلات التي آلت إليها من إنتشار التحريض والأزدراء والتهجم على العقائد. والناظر إلى خريطة الأقمار الفضائية والتي تبثه يرصد ما قدمته من إسفاف وتشويش في عقول المتلقين، بل واسترجاع ما تم بثه عبر اليوتيوب نقلاً عن هذه الأوكار الفضائية يسجل ما غرسته من أكاذيب ومخازي هدّامة ومن عمليات تعبئة وحقن للعقول دون وعي أو ضمير بعد أن تفخخت منابرها بالأفكار الظلامية والتكفيرية. لذلك نحيي القنوات المسيحية الملتزمة بما يقوله الروح للكنائس، والتي اختارت المقاصد والوسائل المناسبة لطبيعة رسالتنا - (لَستُما تعلمان من أي روح أنتما) - فإيماننا وعقيدتنا مؤسسة على المحبة للأعداء والوداعة والحكمة ويقين الإيمان، الأمر الذي يقتضي معه الإلتزام بالأسلوب العلمي والتوثيق في مقارنة الأديان، بالحُجة والتفنيد والبرهان حسب علم اللاهوت الدفاعي والجدلي. بهدف التنوير وكشف القناع، لكن في تهذيب ورُقي حتى تستد أفواه معاندينا ومقاومينا. هذا لا يتحقق إلا بتقديم معطيات الإعلان الإلهي خلال خبرة الآباء الأولين، فلولاهم ما كانت عقيدة الكنيسة وفكرها على ما هي عليه الآن، وسيرهم البالغة الغنى هي نماذج للتنشئة والحياة والفكر وطرائق التقديس والإرشاد والسلوك والكمال المسيحي، إذ لا يمكننا أبداً أن نفهم روحانية ما، ما لم نأخذ العقيدة التي بُنيت عليها بعين الإعتبار. لذلك نتطلع إلى قفزة مهنية أوسع وأعمق في الفضائيات المسيحية، ونشهد بأنها تقدم جهداً وعملاً كبيراً مُطعّماً بالصلاة، لتوصيل رسالة الخلاص الثمين إلى العالم أجمع من دون إنغلاق أو تقوقع... نتطلع إلى بلورة خطاب عصري ينسجم مع الإحتياجات والأفكار والتساؤلات السائدة، إذ ينقصنا الكثير كي نبني كاتدرائيات جديدة على الفضائيات، لتكون بوقاً لمليكنا تنشر أخبار ملكوته لكل الأمم والقبائل والألسنة واللغات. إنها تطلعات تحتاج إلى صلاة وخبرة ودراسة وتدريب وعمل جماعي متخصص، كي تنتج هذه الفضائيات برامجاً موحاة من ثقافة الإنجيل تعطي معنى للحياة وللوجود وللأحداث اليومية، وتساعد المؤمنين على قراءة علامات الأزمنة وسط عالَم فيه ما فيه... لقد أعطانا الله أن نعاصر هذه التقنيات الحديثة، وفي جُوده وإحسانه وفّرها لكنائسنا، بقي أن توظف التوظيف الأمثل، لأن المُرتجَى كثير ورب الحصاد يطلب الثمار عن هذه الوزنات!!!! فكل إبداع خلّاق هو نعمة موهوبة لنا من الله إلهنا، وهو الذي يمنحنا المهارات والفنون لأجل حاجتنا حتى نمجد غير المرئي على عطاياه، ونصل إلى إدراك مناسب له. وهنا نؤكد على أن الفضائيات المسيحية تختلف عن غيرها لأنها تقدم (روح وحياة) لأنها تسلم (تلمذة وتقليد) إذ أن لاهوتنا هو إحساس وخبرة قبل أن يكون علماً، فليس هناك لاهوت خارج الخبرة والإختبار. في ذلك تكمن المضادة عندما نتحاور بالروح والحق مع الثقافات والأفكار لنعطيها النكهة المسيحية ونشهد لخلاصنا، وتصبح الفضائيات تقنية كرازية تعلن صوت الله في برية هذا العالم، وتنير على المنارة بالبشارة المفرحة وتدبير الكون التدبير الحسن، فيعمل مسيحنا في سفينة الناس المعذبة ليعاينوا جماله وحلاوته وسط مرارة ثمار العالم. ولابد أن يوقن كل خادم في الفضائيات المسيحية أنه ينبغي أن تنطبق عليه شروط قامة خدام الكلمة المشهود لهم... إنه ليس عمل هواة أو محترفين أو تقنيين، وإن كنا لا نقلل من شأن الأهمية الحرفية والفنية، إلا أن الأمر لا يتوقف عند ذلك فقط بل يتعداه إلى نقل الخبرة والرؤية، العلم والمنهج من التنظير إلى المعاينة، ومن المعرفة إلى الخبرة والإتحاد بالله، حيث تتحول المواهب الروحية والقدرات الفنية إلى شركة في العمل الإلهي... فيتجاوب التدبير البشري مع التدخل الإلهي، وتكون خدمة فضائياتنا باهرة ومعاصرة. لا تكون عالة على الماضي أو محصورة في الحاضر بل دائماً في تقدم خلّاق إلى ما هو قدام.