القمص بطرس رِياض من رواد مدارس أحد الأسكندرية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » القمص بطرس رِياض من رواد مدارس أحد الأسكندرية – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

القمص بطرس رِياض

(رواد مدارس احد الاسكندرية)

القمص اثناسيوس فهمي جورج

أرسل الله خُدامه ليكون هو العاملَ والمتكلم فيهم ، كي تُبنى الكنيسة بحجارتها الحية ، ويكون ربنا القدوس هو منارتها وحجر الزاوية فيها . فإذا كان لكل حديث وعمل نهاية إلا ما يخص الله ، يبقى هكذا حياً وسيظل حياً متكلماً وممتداً في كل قلب وفم وحياة وسيرة خدام كنيسته ، الذين يخدمون مقاصده التي لا تٌقيَّد ولا حدَ لها ؛ والتي فيها نذكر فضل أنعامه عليهم ؛ وهم يحملون صليبه بالتقوى الحقيقة ؛ ليمجدوا اسمه في وسط بيعة الآباء والأجداد ؛ فتنمو وتزداد وتعتز إلى انقضاء الدهور كلها .

ومن بين مَن أرسلهم الله كان “يونان رياض متياس” الذى وُلد في ١٩ فبراير ١٩٢٠م والتحق بالكلية الإكليريكية وتخرّج منها فى سنة ١٩٤٣م ، ثم اُختير مع زميله القمص جرجس رزق الله لتأسيس فروع لمدارس جمعية تربية الطفولة بالاسكندرية سنة ١٩٤٤م والعمل بها ، فأسس ثلاثة مدارس تابعة لها وهي :-

١- مدرسة راغب باشا

٢- مدرسة فريد جرجس بغيط العنب

٣- مدرسة الجمعية الخيرية ش دارا بسيدي جابر

وكانت هذه المدارس مشهود لها بأدائها المتميز ، وبتكوين فرق خوارس الشمامسة الذين يدرسون علوم التعليم الأساسي المدرسية الحكومية ؛ مع اللغة القبطية ، ويتسلمون الألحان الكنسية ، وقد اشتُهرت في ذاك الزمان ب “مدرسة يونان” . نسبة إلى أبينا المتنيح … ولأنها تجربة لم تكن مألوفة؛ لذلك ذاع صيتها جداً ؛ وصارت موضع فخر في التجربة القبطية وإطلالاتها على المجتمع ؛ مثلما كانت جامعة المحبة التي أسسها القديس حبيب جرجس في القاهرة ؛ لتعليم تربوي مرتبط بالكنيسة ( أُرثوذكسية التربية ) ..وبالحق كان أبونا القمص بطرس خادمًا وكاهنًا مربيًا ؛ يكوِّن ويُنشّئ كائنات تتمتع بالانسجام في تحصيلها للمعرفة ؛ وتتشكل معرفتها بوعي مسيحي : قوانين وعادات وممارسات وحياة ونمو حقيقي ؛ مستبقًا زمانه في التجربة والإدارة والمبادرة التربوية ؛ نحو تعليم قبطي ناشط يتبع وزارة التربية و التعليم الحكومية ( المعارف ) . بَدَأه قبل الكهنوت واستمر أيضًا عندما اختارته العناية الإلهية كاهنًا .

قام يونان رياض بتأسيس لجنة الوعظ لخدمة التعليم الوعظي الكنسي في مناطق أحياء الإسكندرية وضواحيها مثل معلميه الذين تتلمذ على أيديهم وهم “القمص إبراهيم عطية – القمص بولس باسيلى” ، وقد مكّنته محبته وغيرته أن ينطلق على قمم الجبال “جبال الرؤىَ” ليخدم اتساعات كبيرة في ارتحال لا يتوقف بين مناطق (راغب باشا – غيط العنب – كرموز – الباب الجديد – إيزيس – غربال – التلت حدايد ثم سيدي جابر وخط الرمل ) . فارتاد المنابر كخطيب مُفوَّه منبري ؛ يملك بلاغة الفصاحة والبيان ؛ باقتناع المختبر .

وقد سندته أعماق النعمة في كمالها ومشيئتها ؛ كي يغرس ويسقي ، حتى صار جَهده ليس مربوطًا بزمان أو مكان ، لكن امتد حسب خطة إلهنا صاحب الكنيسة وربّها ، والآن دخل كثيرون على تعبه وعاينوا أمجاد متزايدة وكلها ذوي معيار إلهي . فقد كانت جمعية سيدي جابر نواة لخدمة كنيسة مارجرجس سبورتنج .

اشترك مع زملائه “القمص جرجس رزق الله والقمص مينا أبو الهول والمرحومين أثناسيوس بولس وزكريا يوسف ويسى منصور” فى تأسيس لجنة الوعظ بجمعيات وكنائس الاسكندرية ، وامتدت خدمتهم بجداول منتظمة في خدمة الدياكونية الريفية بالقرى المحيطة مثل رشيد وكفر الدوار ودمنهور، ليستكملوا الخدمة التي كان قد بدأها الأرشيدياكون إسكندر بك حنا … فقد رأى احتياجات الكنيسة الداخلية وانشغل بها ؛ لذا عاش بالحكمة الإلهية ؛ لسانه يقطر عسلاً ؛ ووجد دائماً مقراً للورع ؛ ومسكنأ للفهم وقلعة للفضائل ولوقار الكهنوت ؛ وفي تدبيره بمجلس الكهنة وبالمجلس الاكليريكي كان مدينةً للعدل والحزم ؛ وخزينة للرحمة والاستقامة .

دعاه الرب لخدمة الكهنوت المقدس بكنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بمنطقة غربال فى ٣٠مارس سنة ١٩٥٦م ليخدم مع المتنيح القمص باسيليوس اسحق ، وكانت رسامته بيد المتنيح أنبا ميخائيل مطران أسيوط .

استمر في عمله التربوي كمعلم ومربي وناظر لهذه المدارس ، بعد رسامته الكهنوتية باختيار العناية الإلهية له ، فاهتم ببناء البيت “البشر والحجر” ونال رضى السيد الرب الذي تمجَّد به وعمل معه عملاً عجباً ، عندما أتم البناء والتدشين ببركة وتشجيع القديس البابا أنبا كيرلس السادس فى ٣٠ يوليو ١٩٦١م ، ثم اتسعت الكنيسة بإقامة مباني لمدارس الأحد وأنشطتها في الأرض المقابلة لواجهة الكنيسة ؛ بمعاونة أعضاء التأسيس جورجي إبراهيم وجاد سرجيوس وحليم سعيد والمقدس شلبي وجورج لبيب نعمة الله . كذلك اهتم بالمحتاجين والمرضى ؛ ولأجلهم كانت خدمة جمعية الملاك لدفن الموتى ( ش محسن ) ؛ ومستشفي شمس البر ( ش راغب وايزيس ) .

اشتُهر أبونا القمص بطرس بموهبة الوعظ القدير واللباقة الروحانية ، وبتأسيس الاجتماعات الروحية الهادفة ، وعُرف بتعليمه لأجيال كثيرة في مدرسة جمعية السيدات القبطية ، التي تخرّج منها على يديه مئات من الأطفال الذين رضعوا لبن الكنيسة العديم الغش . وعُرف أيضًا بحكمته الغزيرة وبشاشته وفرحه الغامر أثناء خدمته بمجلس الكهنة ، وبالمجلس الاكليريكى للأحوال الشخصية ، مقتدراً في تدبيره الكهنوتي وفي خدمته الإجتماعية والتنموية التي أثرىَ بها عمل مدارس الأحد والرعاية ، وفي سيرته الوقورة المتعقلة بالرصانة وسعة الصدر وحلاوة اللسان وصراحة الأقوال . مهتماً بالتدريس العملي في مدارسه التي صارت ؛ نموذجاً متطوراً من الكتاتيب القديمة ؛ مستكملاً نظارته لها بعد رسامته الكهنوتية ؛ غيوراً على الإيمان بالعمل مع الأقوال ؛ مازجاً استقامة العقائد بأخلاقيات الحياة حسب التعليم الإلهي ؛ لذلك أنار كمصباح موضوع في رُتبته كأنه على منارة ليُضيئ بأعماله المتحررة من الظلام كل إدارة وتعليم صحيح ؛ مازجاً الحزم بالوداعة والعدل بالاستقامة .

لقد رأيتُك أبي كأول كاهن أراه وأنا طفلاً ، وكأول كاهن لأسرتى وبيتى ، وكأول صوت وأيقونة يشكل وجدانى أنا وأخي بالجسد “أبونا أنطونيوس فهمى” حينما كنتَ تزورنا ؛ يزورنا المسيح وتحل نعمته وبركته وشفاؤه واقتداره . ذلك هو مثال الكاهن القبطي ، الحامل كلمة الله بالرضا والمسرة والحضور والأبوة والبركة . كنتَ لطيفًا تُجاه الصغار ؛ معتبراً أنهم حيث يوجدوا هناك ؛ يوجد الفردوس ؛ بأُبوتك المرتبطة بفكرك اللاهوتي المتعلق بصورة الله الأولى في الإنسان ؛ ذلك الإبداع الخاص بالطفولة البريئة ؛ والتي جعلتك ناظراً لمدارس ؛ يشتهر بالحزم والتوجية تارةً ؛ وكاهناً مربياً معروفاً بالغرس والسقي لغروس بذار أولاد الله تارةً أخرى .

كنتَ مثلاً فى التقوى والصوم وروحانية العبادة ، ومثلاً في التدقيق وعدالة ما يُعرَض عليك ، مثلاً في التحقق من صحة التدبير وقداسته ، معيداً النظر في هيئة وظروف الخدمة ، وضبط إيقاعها كما يليق كناظر وبنّاء حكيم ، يعطي لكل مناسبة بريقها ورَوْنَقها ، لذلك كتبتَ أعمالك تبعاً لأقوال رئيس كهنة الخيرات العتيدة الذي دعاك وأيّد خدمتك لتؤديها بلا لوم ولا عثرة ؛ بانياً للنفوس والأرواح والمواضع التي يقترن وجودها بإسمك يا كاهن الله العلي .

لقد نلت ثقة واحترام الآباء المحترمين وكلاء البطريركية في زمانك “الأنبا مينا أفا مينا – الأنبا بيمن أسقف ملوي – الأنبا تيموثاوس الأسقف العام” ؛ وقد شاهدتُ بعيني صداقتك الروحية مع آباء مجلس كهنة إسكندرية الأجلاء القمص جرجس رزق الله والقمص متياس روفائيل والقمص بيشوي كامل والقمص كيرلس داود والقمص صليب حكيم الذين كانوا يكنّون لك المودة الأخوية ، لأنك “بطرس” الجدير بالاعتبار بين الرجال الأخوة . بطرس أيقونة الكاهن الخادم الذي يوقر كل فكرة وكل كلمة تعلمها الكنيسة الأم ؛ والذي دومًا في متناول الناس ؛ تجُول الشوراع والأزقة ؛ متكئاً على شمسيتك لتفتقد أبناء رعيتك ؛ راضياً بكل شيء ؛ فتسهلت لك الصعوبات واحتفظت بابتسامتك عريضة على وجهك المنير بالنعمة ؛ ملتزما بالحرارة والجرأة الروحية ؛ التي لا تصُد أحداً؛ بل ترفع القلوب المشدودة إلى أسفل بالتضرعات الحارة ؛ وصوت قداساتك الواضح والمدوي ؛ وبنطقك الفصيح وصلاتك النابعة من أعماق قلبك الطاهر ؛ متحدثاً إلى الله والناس من مَعِين نفسك المكرسة لله ؛ والبعيدة عن التصنع والافتعال .

لقد بقيت هكذا إلى يوم رُقادك الذي كان في مساء السبت ١٣يوليو ١٩٩١م حتى استراحت نفسك ورجعت إلى مواضع الراحة والنياح ، تاركاً مثالاً لأجيال الكنيسة كلها في صخرة الإيمان وثمرها المتكاثرة ، حياً بروحك وأعمالك ورسالتك التي أَكملت بها السعي ، مضيئاً ككواكب الجَلَد مع الفاهمين إلى أبد الدهور .؛ وستبقى الكنيسة حية..