الـذكـرى الستـوّن للعلاّمـة الأستاذ يسى عبد المسيح – الأستاذ بيشوي فخري

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » الـذكـرى الستـوّن للعلاّمـة الأستاذ يسى عبد المسيح – الأستاذ بيشوي فخري.

آخر تحديث: 3 يوليو 2019

الـذكـرى الستـوّن للعلاّمـة الأستاذ / يسى عبد المسيح (1898 - 1959).

هو واحد من علماء الدراسات القبطية من لغة وتاريخ، وأحد رواد علم تاريخ الطقوس الأوائل، الذي عاش حياته بين الكتب والمخطوطات يكتب ويفحص ويفهرس ويبحث ليخرج كنوزًا جددًا وعتقاء.

هو أحد الجنود الذين نحتوا بعلمهم مكانًا وسط علماء القبطيات، حتى صار مرجعًا ومستشارًا لباحثي القرن في علوم القبطيات.

وكعادة العلماء الحقيقيين ليس لديهم سمة الظهور والحديث عن أنفسهم والسعى نحو التكريم، عكس أنصاف العلماء الذين يتعمقون في السطحيات!

وُلد الأستاذ يسى ببلدة اشنين النصارى في 29 يوليو 1898م،، وحصل على الشهادة الأبتدائية عام 1914م، ثم أنتقل بعدها إلى القاهرة حيث ألتحق بالكلية الإكليريكية وحصل على دبلومها عام 1922م وفي نفس الوقت عمل مدرسًا بمدرسة جمعية ثمرة التوفيق القبطية ما بين (1918 - 1922)، وفور تخرجه عمل أمينًا لمكتبة المتحف القبطي حتى عام 1957م. ووضع فهرس لمكتبة المتحف بالأشتراك مع مرقص سميكة باشا مؤسس المتحف القبطي.

وكانت أمانته على مكتبة المتحف القبطي فرصة لينهل من بطون الكتب، ويروي ظمأه للعلم ودراسة اللغة القبطية والتبحر فيها بدراسة اكاديمية بالجامعة المصرية القديمة (جامعة القاهرة) حتى حصل على دبلوم الآثار فيها عام 1925م.

وكان يجيد لغات عديدة منها الأنجليزية والفرنسية واليونانية القديمة والعبرية، فكان حين يكتب مقالا علميًا يكتبه بلغته الأصلية إلى جانب ترجمته الأنجليزية أو العربية.

وقام بالتدريس في الكلية الاكليريكية اللغة اليونانية القديمة، وتتلمذ عليه جيل من العظماء أمثال د. وهيب عطاالله (الأنبا غريغوريوس المتنيح). ويذكر الأب متى المسكين فضل الاستاذ يسى عليه بتعليمه اللغة القبطية!

وعلّم أيضًا المؤرخة إيريس حبيب المصري قواعد اللغة القبطية.

كما قام بالتدريس في معهد الدراسات القبطية: التاريخ القبطي، والطقس، اللغتين القبطية واليونانية.

وقام أيضًا بتدريس اللغة القبطية لكلية الآثار المصرية بكلية الآداب جامعة إبراهيم (عين شمس حاليًا).

وقد أنتدب لتنظيم مكتبة الدار البطريركية مع الدكتور مراد كامل ثم العمل بها ثلاثة أيام من كل أسبوع.

كما أشترك مع الأب يعقوب مويزر (المستشرق الهولندي) في إعداد فهرسًا عن المخطوطات القبطية والعربية في كنائس القاهرة بمصر القديمة.

وأنتدب لمرافقة بعثة جامعة كاليفورنيا لتصوير المخطوطات الموجودة بدير سانت كاترين عام 1951م كما أنتدب للعمل مع د. عزيز سوريال عطية لفحص مخطوطات الدير نفسه.

بتشجيع من عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وزير المعارف في ذلك الحين. وقد ظهر الجزء الاول من فهارس دير الطور بسيناء للدكتور عزيز سوريال عام 1970م مترجمًا من الانجليزية للعربية بيد الأستاذ الكبير جوزيف نسيم يوسف.

كما أهتم في أواخر حياته بإعداد كتالوج خاص بالمخطوطات القبطية والعربية الموجودة بدير السريان، وساعده في ذلك الراهب أنطونيوس السرياني (البابا شنودة الثالث حينذاك).

وقرع بعقليته الموسوعية مجالات عديدة عن الرهبنة وسير الآباء القديسين والأصوام والطقوس والأدوات الطقسية، وزى الكهنة عبر العصور، وأعتقاد الكنيسة في الصور والأيقونات، وتاريخ اللغة القبطية وآدابها،.. ألخ.

وهو أول من وضع تعريف للمصطلحات الليتورجية القبطية أو ما يُعرف في اللغات الأجنبية باسم عِلم Terminology.

وكان أيضًا أول من كتب عن عِلم Coptic Hymnology أي الإيمنولوغيا القبطية، أي عِلم دراسة تاريخ وأصول قِطع التسابيح والألحان القبطية.

وأشترك يسى عبد المسيح في وضع "قاموس الكتاب المقدس"، حيث قام بوضع مادة حرف "التاء" في 23 صفحة.

وأشترك أيضًا في ضبط اللغة القبطية لأهم كتابين للصلوات القبطية "الخولاجي"، "صلوات السواعي: الأجبية". ونشر العهد الجديد باللغة القبطية وبعدها سفرى التكوين والخروج بالقبطية والعربية عام 1940م بالاشتراك مع جمعية أبناء الكنيسة.

وبسبب نبوغه في اللغتين القبطية واليونانية كان العلامة كرّم Crum يستشيره في معضلات اللغة القبطية أثناء وضعه قاموسه الشهير في اللغة القبطية ما بين عامي (1865 – 1944م) وذكر كرم ذلك في مقدمة القاموس وأعترف بفضل الأستاذ يسى عبد المسيح.

ويذكر الأستاذ الدكتور برمستر مدرس اول اللغات القديمة بجامعة الأسكندرية أنه أشترك معه في عدة بحوث ومؤلفات، وقاما سويا بنشر ما تبقى من تاريخ بطاركة الكنيسة المعروف بسير البيعة المقدسة لساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين في المجلد الثاني أعوام 1943م، 1948م، 1959م، وقد اشترك معهما د. عزيز سوريال في الجزئين 2، 3 من المجلد الثاني من مطبوعات جمعية الآثار القبطية ويذكر في المقدمة أن المجلد الاول قد نٌشر بواسطة مستشرقين في باريس 1904 - 1915م في ترجمة أنجليزية مع ترجمتها العربية. وهو عبارة عن جزئين من مارمرقس الرسول حتى البابا يوساب البطريرك 52. ولذلك جاء المجلد الذي ترجمه يسى عبد المسيح في غاية الاهمية لأنه يحتوى على تاريخ العصور الوسطى. ثم تولت جمعية الأثار القبطية نشر باقي الأجزاء حتى ظهر العمل متكاملا أخيرًا من أربعة مجلدات في ثمانية أجزاء.

وكان الأستاذ يسى على علاقة طيبة بعلماء عصره، يحيا في نسك الزاهدين، فكثيرًا من أبحاثه ثمرة مراسلاته مع المتنيح الأنبا مكاريوس مطران أسيوط السابق (1897 - 1944م)، الذي صار فيما بعد قداسة البابا مكاريوس الثالث الـ 114 (1944 - 1945م).

كما كانت تربطه علاقة حب قوية بالشماس يوسف حبيب المترجم السكندري البتول حيث كان معينًا له في الوصول إلى المخطوطات القبطية بالمتحف القبطي.

كما كانت له مراسلات مع العلامة المتنيح أنبا غريغوريوس الذي شجع كثيرا نشر أعمال الاستاذ يسى، ورمزي عزوز (انبا يوأنس اسقف الغربية)، وراغب مفتاح رائد الموسيقي القبطية.

وكان مُعزي بمراسلاته للاب متى المسكين حين ترك وكالة الأسكندرية، فكتب له خطابًا باللغة القبطية في مايو 1955ممن ضمن ما جاء فيه:

"... لم أكتب أليك لأواسيك حينما أستقلت المرة الأولى من وكالة البطريركية بالإسكندرية. وكما أني لم أكتب لك مظهرًا لك غبطتي بعودتك إلى مركزك مرة أخري. والان وقد طفح الكيل، وقد أقٌلت أخيرًا تعسفًا من مركزك، رأيت أن لا ألزم السكوت ولا بد من إبداء شعوري.

أيها الأب الجليل... لم يخرج القمص متى من بيته إلا ليكون راهبًا كاملاً. وعلامة الراهب الفاضل أن لا يغير شيئًا من تصرفاته من جهة طعام ومشرب وملبس مع إتمام الفروض الرهبانية سواء كان في الدير أو في المدن فحياته النسكية لا تتغير.. وإنه لم يقبل منصب وكالة الإسكندرية إلا بعد أن دعاه الله ليخدم الكنيسة التي في أشد الاحتياج إلى أمثاله الصالحين الغيورين ".

ثم يرسل الاب متى المسكين خطابا باللغة القبطية..

ويرد عليه الاستاذ يسى عبد المسيح بخطاب مكتوب باللغة القبطية أيضًا: قائلاً: أهديك تحياتي وأقبل يديك وسررت جدا لأنك تكتب باللغة القبطية على صحة اللغة التي أحبها لأنه تكلم بها أجدادنا القديسون.

ومقابل علمه الغزير وأعماله الخالدة لم ينل التقدير والتكريم اللائق بالعلماء بل كما يقول أحدهم أن رجال الكنيسة مع اعترافهم بفضله وعلمه كانوا ينظرون إليه كرجل (غلبان)، عوضا أن يرفعوه ويغدقوا عليه!!

وأخيرًا رحل في صباح الأثنين 12 مايو 1959م الاستاذ يسى عبد المسيح بعد فترة من المرض لم يجد خلالها أحدًا يقف بجواره سوى صديقه دكتور برمستر.

وفي عام 1965 قامت جمعيتا الآثار القبطية والتوفيق القبطية بتكريم الدكتور عزيز سوريال عطية وعندما وقف يلقي كلمته قال: "انه ينبغي ألا ينسى المسئولون من المهتمين بالدراسات القبطية الاستاذ يسى عبد المسيح وما قدمه من دراسات فتحت الطريق أمام الكثيرين حتى سمعنا عن اهتمام المتحف القبطي بالاشتراك مع اليونسكو في الكشف عن الدراسات الغنوسية وعن رسالة الرسول توما وترجمتها...".

ولا يمكن إغفال دور جمعية مارمينا في نشر الكثير من مقالات وأبحاث ومحاضرات الاستاذ يسى عبد المسيح في مجلدين في عامى 1986، 1998م.

المراجع:

- القس باسيليوس صبحي: العالِم القبطي والمؤرخ الكنسي الأستاذ يسى عبد المسيح حنا، مجلة الكرمة الجديدة - العدد السادس، الصادر سنة 2009، ص 243 – 248.

- القمص تادرس يعقوب ملطي، العلاّمة يسى عبد المسيح، قاموس آباء الكنيسة قديسيها حرف (ي).

- صبحي عبد الملاك: يسى عبدالمسيح عالم لن ننساه، أسبوع القبطيات الثالث، 1993، ص 1 - 6.

- مدحت حلمى تادرس، مينا بديع عبد الملك: "يسى عبد المسيح: عالم القبطيات والمتخصص في الدراسات الكنسية"، مجلة راكوتي - السنة السادسة - العدد الثاني - مايو 2009، ص23 - 28.

- أ. د. مينا بديع عبد الملك، أعلام مضيئة في تاريخ مصر: "93 - يسى عبد المسيح"، سنة 2002م، ص577 - 586.

Broken Links Report - Arabic
مثال: رابط التحميل لا يعمل
Sending

Leave a Comment