العَشَاءُ السَّيِّدِﻱُّ (رؤية آبائية) 19 أبريل 2011 – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » طقوس الكنيسة القبطية - اللاهوت الطقسي » أسرار الكنيسة السبعة » سر الإفخارستيا - القداس الإلهي » العَشَاءُ السَّيِّدِﻱُّ (رؤية آبائية) 19 أبريل 2011 – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

العَشَاءُ السَّيِّدِﻱُّ (رؤية آبائية)

قام المسيح في خميس العهد بالتأسيس الإلهي لسر عشائه السرﻱ الأخير، ‏ الذﻱ أرشد عنه من خلال الحرف، ‏ وأكمله من خلال الروح، ‏ وعلَّم به من خلال الرموز، ‏ ووهبَهُ بالنعمة من خلال الأعمال. كمَّل المسيح تقدمة هذه الذبيحة المَهوبة كعطية للخلود ووعْد بالحياة الأبدية، ‏ كي نكون نحن شركاء الدعوة السماوية. أسس الرب عهدً جديدًا وميثاقًا أبديًا مع شعبه، ‏ عهدًا موثَّقًا بدم ابن الله الوحيد، ‏ دم قائم كل يوم على المذبح ننظره ونتناول منه، ‏ ونصير أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه، ‏ ونكون واحدًا معه ممتزجين به، ‏ مُرهِبين للشيطان عندما يُغذِّينا بجسده الخاص‏، ويجعلنا جنسًا كريمًا‏، ويعطينا رجاء الخيرات العتيدة، ‏ فتتجلىَ فينا صورته الملوكية، ‏ وننال بهاءه الذﻱ لا يزول، ‏ فَمُنا يمتلئ بالنار الإلهية ولساننا يصطبغ بالدم الكريم، ‏ فتهرب منَّا الشياطين خائرة وتقترب منا الملائكة وتُعيننا.

في الخميس الكبير نحتفل بالأسرار المقدسة ونشترك في الدعوة السماوية، ‏ لنأخذ مؤونة الخلود، ‏ مكملين ركض السباق الروحي... نلبس ثوب العُرس الذﻱ للإيمان‏، ونتقدم كمحتاجين إلى هذا العشاء السرﻱ، ‏ حيث المسيح محب البشر يخدمنا ويُضايفنا... فالعِجل المسمن قد ذُبِح، ‏ حمل الله الذ يحمل خطية العالم، ‏ الآب يفرح والابن يقدم نفسه ذبيحة بإرادته الذاتية وسلطانه وحده، ‏ مؤكدًا على آلامه الخلاصية الطواعية.

فلنترك عنا الجهالات لنحيا ونسير في طريق الفَهم، ‏ لأن الحكمة قد بَنَتْ بيتها، ‏ ونَحَتَتْ أعمدتها السبعة، ‏ ذَبَحَت ذبحها... مزجت خمرها، ‏ ورتبت مائدتها، ‏ كي نشترك في مسرّتها ووليمتها الحاضرة الوفيرة المقدسة السرية المثمرة اللذيذة‏، التي تم إعدادها والموضوعة أمامنا والمعطية حياة.

فلنتقدم على هذا الرسم إلى هذه الذبيحة الإلهية التي تشتهي الملائكة أن تراها، ‏ التي ليس دم الناموس حولها ولا بِرّ الجسد، ‏ ذبيحة الجسد المقدس والدم الكريم الذين لعمانوئيل إلهنا والذين لخلاصنا، ‏ الجمرة الحقيقية الروحانية السرية، ‏ والصعيدة السمائية العظيمة العقلية الكريمة المباركة المُحيية المَخفية منذ الدهور والأجيال التي من الجنب الإلهي غير الدنس، ‏ الذبيحة المخوفة المعقولة المقدسة المكرمة الناطقة‏، شجرة الحياة غير الجسمية وغير الدموية، وغير المرئية من المرئيين، ‏ موهبة النعمة السرائرية الروحانية التي أعدها لنا الله وهيأها‏، لتكون لنا موضع خضرة وكأسًا مُروية وترياقًا للخلاص ومَصل الخلود، ‏ مُنعشة فائضة ومترعة للفرح السرﻱ العجيب والأبدﻱ.

إنها سر اللاهوت، ‏ سر جميع الأسرار الذﻱ كل من يشترك فيه ينال إيمانًا بغير فحص ورجاءًا ثابتًا وصبرًا كاملاً ونِيَّة مملوءة دالة وشفتين غيرساقطتين وعافية وفرحًا وعدم فساد وغفرانًا للخطايا والآثام والجهالات والسيئات والزلات، ‏ ينال نعمة ودالة أمام المنبر المخوف، ‏ وننال النجاة من الأعمال غير النافعة ومن أفكارها وحركاتها ومناظرها ومجسّاتها... تُبطِل وتطرد المجرِّب‏ وتنتهر حركاته المغروسة فينا‏، وتقطع عنا لذات الجهل والأسباب التي تسوقنا إلى الخطية، ‏ فنهرب إلى التمام من كل أمر ردﻱء، ‏ ونصير شركاء في خلافة المسيح، ‏ جسدًا وروحًا واحدًا، ‏ مملوئين من الروح القدس ومن شركة الحياة الأبدية نائلين نصيب ميراث القديسين.

في العشاء الأخير كشف لنا المخلص محبته الفادية مسبقًا، ‏ فقدم ذاته في هذا العشاء الفصحي قبل أن يقدمه على الصليب، ‏ تلك المحبة التي هي جوهر تدبير الخلاص، ‏ حتى عندما نتناول من جسده ودمه الأقدسين نثبُت فيه ويثبُت فينا، ‏ وتنطبع فينا صورته وشكله، ‏ ونقتات به للحياة، ‏ ونمتزج ونتحد به، ‏ فيكون هو خبزنا وكأسنا المُروية، ‏ حياتنا وعصارتنا وحزمتنا، ‏ نذوق وننظر ما أطيب مائدته التي رتبها لنا تجاه أولئك الذين يضايقوننا، ‏ مائدة تجلب الفرح والنصرة... مائدة تجدد طبيعتنا وتُزيل مراراتنا، ‏ فنحمل ثمارًا عطرة ونزداد سمنة من الذﻱ يعطي طعامًا لكل ذي جسد، ‏ فتمتلئ قلوبنا فرحًا ونعيمًا وتزداد نفوسنا في كل عمل صالح، ‏ ولا يقوىَ علينا موت الخطية لأننا قد نلنا الحياة الباقية والأسرار التي تشتهي الملائكة أن تطّلع عليها.

أيُّ راعٍ هذا الذﻱ يعُول رعيته بأعضائه الخاصة ويمزجها به بكل وسيلة، ‏ فلا تكون فيما بعد مجهولة المصير خائفة أو مرتعبة، بعد أن استُئهلت لهذه القوة التي أعطاها الحمل المذبوح الجالس على العرش‏، والذﻱ أخلى ذاته في الخبز والخمر ليحمل ضعفاتنا وفسادنا ويوحِّدنا به ومعه، ‏ صعيدة مقبولة... وهو أيضًا أظهر نفسه بعد قيامته عند كسر الخبز ليفتح العيون ويهب معرفته ويدركنا برحمته كل أيام حياتنا. إنه ينشر مجده باعتباره رأس الزاوية وأساس البناء، ‏ فيكون هذا المجد لكل حجر ولكل عضو... ويملأ المجد بيته الذﻱ هو كنيسته المسكن الأعظم والأكمل، ‏ حيث نتقدم في بيته بروح ساكبة الطِيب وبروح الأرملة صاحبة الفلسين لنشارك في المجد الذﻱ صار لنا - (نحن بيته) - ‏ نائلين خلاصنا ومجدنا بإله معونتنا، ‏ ناصرنا فلا نتزعزع أبدًا... وكما حمل إسحق حطب المحرقة كذلك المسيح حمل خشبة الصليب، ‏ وكما رجع إسحق حيًا هكذا قام المسيح حيًا من الأموات، ‏ ومازال يظهر في أرواحنا – حيًا قائمًا من الموت – يُغرَس في كياننا عندما نتناوله.

ليتنا لا نكون جاحدين لإحساناته ولا وليمة عشائه السرﻱ، ‏ لأن هذا هو مجده، ‏ وهذه هي عجيبة لاهوته، ‏ وثمرة اشتراكنا فيها هي اقتناء مجد الابن، ‏ فنصبح في يد الآب وبذراعه العالية يملك فينا ونصير شركاءه، ‏ هو قوتنا وتسبيحنا وقد صار لنا خلاصًا مقدسًا.

19 أبريل 2011.