الصليب – الراهب صليب الصموئيلي

الصليب.

لا أدري لماذا أشتاق إلى الحوار مع الصليب, ولكني أشعر في داخلي بقوة تجذبني إليه, وتسبيني بجماله وثباته ورفعته وسعته,.

تلك الأمور التي يجهلها وينتقدها البعض, ويؤمن بها ويقرها البعض الأخر,.

وهكذا أُحيط الصليب باليقين والشك, بالفخر والإزدراء, بالكرامة والهوان,.

وفي كل هذا يظل الصليب كما هو لا يتغير, في ظاهره وفي جوهره, في شكله وفي معناه, في إثارته للجدل وفي حفظه للسكون.

وفي جلسة هادئة بعيداً عن الصخب والضوضاء, حلَّقت بعيني إلى الصليب, متأملاً فيه, وشعرت كأني أتبادل معه أطراف الهمس,.

أيها الصليب أريد أن أعرفك أكثر وأقترب منك أكثر...

أريدك صديقاً لي تلازمني في أي موضع كان.

أريدك بقربي, أريدك داخل القلب والوجدان.

فإني أحيا في غربة, تائه ووحيد, ليس لي إنسان.

ولذا أشتاق إلى الحوار معك, فهيا تجرد من صمتك الآن...

وهمس الصليب في داخلي, وبهدوء قال لي: وأنا أيضاً أشتاق إلى الحوار معك, فقد صرنا الآن في محبة بعد أن كنا قبلاً في عداوة,.

أنا الذي كنت أمثّل لك عقوبة الموت محاطة بالمهانة والهوان,.

صرت موضع اللقاء العجيب للعدل والرحمة عبر الزمان.

وأنت الذي كنت تمثّل لي مجرم, لص, خاطئ, مدان,.

صرت أبيض من الثلج, ملاك في شبه إنسان.

هل تعرف ما هو سر هذا التغيير لي ولك؟!!.

هو الله تبارك اسمه, السر وراء هذا التغيير.

فمنذ أن وُجِدت في هذه الحياة, وانا عقوبة, وجسراً إلى الظلام, إلى ما وراء الحياة,.

رمزاً للعار واللعنة, وثمرة حصاد اللصوص والقتلة والمجرمين,.

كان الفم يستنكف من تذكار اسمي, وكان إثمي هو الإرتباط بالمذنبين,.

حصدت أشواكاً لم أكن زرعتها, وحسبت نفسي مظلوماً في حبس المساجين,.

وهكذا عشت محتقراً, منبوذاً, وحيداً في بادية, وقبراً للمصلوبين.

لم يخطر في مُخيِّلتي أن يتغير حالي في يوم من الأيام,.

كان شبه حلم, قد تبرأ من أن يميل أو يعبر خيالي في منام.

ولكن...

جاء يوماً, هو أعظم يوم مر في حياتي,.

حُكِم على إنسان بالصلب, وجئت لتنفيذ الحكم,.

وإذ بي أجد إنسان غير كل البشر,.

في وداعته وإستسلامه,.

في خضوعه وصمته,.

في محبته,.

في قوته رغم ما ظهر عليه من ضعف.

ولأول مرة أتمنى الإرتباط بإنسان إرتباطاً لا ينتهي.

ومنذ تلك اللحظة تغيَّر كل شئ بالنسبة لي, وكأني ولدت من جديد.

لم يفارقني إلاّ وقد أخذ معه ضعفي وأعطاني من قوته,.

أخذ عني العار وأعطاني من مجده,.

حمل مكاني الإزدراء وأعطاني من كرامته,.

ستر عُريّ بدمه الطاهر وكساني من بره,.

رفع رأسي على الصخرة, وأجلسني معه في سمائه.

وأصبح الخيال واقع ملموس, والمُحال صار حال.

وهكذا صيَّرني...

لكل يائس أمل ورجاء,.

لكل مريض دواء وشفاء,.

لكل حزين فرح وهناء,.

لكل تائه صرخة نداء,.

لكل مديون خلاص وإفاء,.

لكل ضعيف قوة الأشداء,.

لكل خائف حصن من الأعداء,.

هل رأيت في كل الأرض من كان في ذلي ومسكنتي وضعفي وغربتي وتحوَّل إلى ما لا يوصف من مجد وكرامة وقوة ورفعة؟!!.

إنها حقاً قوة الله في التغيير.

حقاً أيها الصليب,.

إن الله قادر أن يعمل عجباً.

فالأرض أيضاً كانت في وقت ما خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة, وعمل الله على تغييرها إلى الأفضل,.

فملئها بالأنوار والأطيار والأشجار والأزهار, وتغير حال الأرض وصارت بكل ما عليها حسنة جداً.

وهكذا أورشليم, تلك المدينة التي كانت يوماً ما مطروحة على وجه الحقل بكراهة نفسها, مدوسة بدمها, عريانة وعارية, ولم يكن هناك من يشفق عليها أو يرق لحالها,.

ومرَّ عليها الرب ورأها, وإذ زمنها زمن الحب,.

فبسط ذيله عليها, وستر عورتها, ودخل معها في عهد فصارت له, فحممها بالماء, وغسلها من دماءها, ومسحها بالزيت, وألبسها مطرزة, ونعَّلها بالتخس, وأزرها بالكتان, وكسوها بالبز,.

فجملت جداً جداً, وصلحت لمملكة.

وأنا أيضاً أيها الصليب,.

قد بدأ الله فيَّ عمله العجيب, وربما لم ينتهي بعد,.

ومتى أنهى الله عمله في تغيري وإصلاحي, سوف لا تعرفني,.

إذ أكون قد لبست ثياب العُرس, وبذلك يكون قد تمَّ إعدادي من قبل الله لملكوته الآتي.

مبارك هو الله الذي يُخرِج من الآكل أُكلاً ومن الجافي حلاوة.

فهو الذي يُغيِّر ولا يتغيَّر من الأزل وإلى الأبد.

له المجد وعلينا رحمته.