التَّدَّيُّنُ المُضَادُّ (الشَّكْلِيُّونَ والفَرِّيسِيُّونَ) – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي » معوقات الحياة الروحية » معوقات متنوعة في الحياة الروحية » التَّدَّيُّنُ المُضَادُّ (الشَّكْلِيُّونَ والفَرِّيسِيُّونَ) – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

التَّدَّيُّنُ المُضَادُّ (الشَّكْلِيُّونَ والفَرِّيسِيُّونَ)

دُعي عليهم اسم المسيح، وهو وحده رجاؤهم الأبدﻱ، وصانع خلاصهم وسلامهم، لكنهم لا يتجاوبون مع عمل نعمته... يعرجون بين الفرقتين؛ فلا يسلمون له حياتهم؛ محتمين بممارسات آلية وعبادات روتينية... ممسكين بالعصا من منتصفها، منصاعين للعالم؛ مستغرقين في أطماعه وملذاته وخداعاته؛ حتى الثُّمالة، منخرطين في أخباره وسهراته وزيف بريق مظاهره؛ ولكنهم في ذات الوقت يقضون أوقاتًا في الكنيسة وخدمتها، كالكتبة والفريسيين بسلوك لتديُّن مصطنع يطفئ الروح؛ ويجعلهم في حالة تسكين ضمير؛ وإحساس كاذب بالرضا لأفضليتهم من غيرهم.

بِرُّنا الحقيقي هو بِرّ المسيح، وأعمال إيماننا هي ثمار أعمال الروح القدس فينا، ونمونا إلى الأفضل يتم بثبات المسيح فينا؛ وثبوتنا نحن فيه؛ حتى نجاهد قانونيًا ونتمم خلاصنا بخوف ورعدة، لنربح الملكوت؛ ليس بإستحقاقنا وإنما بهبة الله الغنية لكل من يؤمن ويسعىَ إلى ”كمال القداسة“ (مت ٥: ٤٨)؛ لأننا عمله؛ مخلوقون منه لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها!! فكيف يرتاح فينا روحُهُ؛ وأعمالنا مظلمة بعيدة عن عطية النعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح؛ وقد ازدادت للكثيرين؟!!

التديُّن الذاتي ينتهي عند الشكل والمظهر وصورة التقوى وسرقة مجد الله، فتتضخم ذاتنا؛ ونشعر أننا قضاة وأفضل من غيرنا؛ وأننا من النُخبة والصفوة، وهذا هو العمَى والجهل الذﻱ يجعلنا نستمرئ الخطية ونستمر فيها، جنبًا إلى جنب مع الأداء الآلي لفروض؛ جعلناها هدفًا في حد ذاتها، بل وحِرْفة نحتمي بها؛ مكتسين بمظاهر التقوى؛ بينما نحن ”مَشْحُونُونَ رِيَاءً وإِثْمًا“ (مت ٢٣: ٢٨). لقد وصف الآباء هذا التدين الشكلي المريض بفساد الطين؛ وبالظلمة المثلّثة الكآبة التي للجهل، وبمحنة الصدأ والتليف المستتر.

كذلك ساق المسيح له المجد مثل الفريسي والعشار (لو ١٨: ٩) لكي يكشف أنماطًا من التدين؛ خادعة في ظاهرها، لأعمال ميتة غير مقبولة، ونشاط ذاتي يتخذ شكل العبادة الروتينية؛ لكنه خالٍ من الإيمان والتقوى - سواء وَعَتْ النفس أو لم تَعِ، سواء نسيت النفس أو تناست وأغفلت - أعمالاً ليست مقدمة لله الذﻱ نؤمن به واعتمدنا بإسمه، إنما لإله مجهول ومزيف، رغم أنها تمارَس متصلة بالإيمان في شكله لا في جوهره.

هذا التدين الشكلي السطحي أو الظاهرﻱ والحرفي، يحوّل الحياة الروحية إلى مجموعة من الممارسات الآلية المعتادة، فتصير روتينية وهدفًا في حد ذاتها - (كالفريسيين) - لا تختلف عن الأنشطة الجسدية الاجتماعية التي غاب عنها ”الروح والحق“، فتتم من أجل بر الذات ونفختها ودورها ومكانتها ورأﻱ الناس فيها!! وتصبح نمط حياة دون أﻱ وعي روحي أو يقظة تمييز وصحو ”هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ؛ وأمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا“ (مر ٧: ٦)، ممارسات تعمل فقط لأجل إراحة الضمير أو تحت ضغط اجتماعي ولظروف طارئة.. فمثلاً في الصوم ننشغل بمدته ومادته؛ كما لقوم عادة... نعشِّر النعنع والشبث والكمون؛ ونترك أثقل الناموس، بل ونحمِّل الناس أحمالاً عَسِرة الحمل؛ ولا نحركها بطرف أصبعنا.

كذلك نحكُم ونقرر وندين؛ لأننا لسنا مثل باقي الناس... أعمالنا نعملها إرضاءً لذواتنا؛ حتى نظهر أمام الناس؛ ونتخذ لأنفسنا المتكأ الأول والمحلة العالية... بينما كلما نستمرئ هذه الطريقة؛ تنفصم حياتنا وتصبح مصابة بالشيزوفرنيا، حيث نظهر عكس ما نحيا في الإنسان الباطن.. نبدأ بالروح ونكمل بالجسد، نخدم خدمة العين كمن يُرضي الناس لنستجلب مجد المديح... وبإنفصال الظاهر عن الباطن؛ نفسد كالمرائين الذين قال عنهم الرب: ”تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً؛ تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وكُلَّ نَجَاسَةٍ... هَكَذَا أَنْتُمْ مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، ولَكِنَّكُمْ مِنْ داخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وإِثْمًا“ (مت ٢٣: ٢٧).

إن آفة الحياة الروحية منذ زمان المسيح له المجد، هي الرياء والفريسية وشكلية السلوك بالحرف، بينما هو طالبٌ للساجدين له ”بالروح والحق“، وقد أوصى قائلاً: ”احْتَرِزُوا أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَاتِكُمْ وصَلَوَاتِكُمْ وأصْوَامَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ“، فليست عِشرة القدوس بالافتخار ولا بالإعلان لربح المديح القبيح؛ ولا لتضخيم الذات؛ بمظهريات وفريسية الشكل؛ لكنها في الذين يفعلون إرادة الآب السماوﻱ، ويجعلون غير المنظور منظورًا في حياتهم، صانعين مشيئته كل حين.

ربما خطرُ التدين الشكلي يصيب المتدينين الذين يواصلون ممارساتهم من دون عمق؛ في حرفية شكلية، محتفظين بمظهرهم داخل المجتمعات الكنسية، من دون ثمار الروح القدس في حياتهم، ومن دون حمل صليب المسيح اليومي ونفقته... ذلك الإحساس المخادع بالبر الكاذب والمخدِّر للضمير، يجعل الشكلية غطاءً يحجب اللقاء الشخصي بالمسيح، ويؤجل محاسبة النفس وغربلتها؛ كي تسلك بتدقيق لا بجهل بل بحكمة.

انحرافنا للرياء والاستمرار في مخادعة الشكل، يجعل حياتنا خالية من الثمر؛ كشجرة التين المعطوبة التي لعنها الرب.. ذلك العطب لخلوها من النفع، - (شكل ومظهر دون جوهر) - ، لها صورة التقوى؛ لكنها تنكر قوتها وبهجتها وذوق طعمها الحقيقي؛ من دون استخدام لسيف الروح وسائر أسلحة الحرب المقدسة (أف ٦: ١٣).

إيماننا وحياتنا في المسيح، ليست انضمامًا لجماعة؛ خُلُوًّا من بنوة الله.. ليست لحساب الحياة الحاضرة؛ وإشباع رغبات اجتماعية وترفيهية وأنشطة أعمال ميتة، تحوِّل الكنيسة لمجرد هيئة اجتماعية؛ ومكان للقاء شبكة علاقات عامة - كنادٍ اجتماعي - يُستفاد منه بالرحلات والحفلات والمباريات والكرنفالات والجوائز والصور ووسائل التسلية والتعارف والصالونات؛ لأن الكنيسة هي بيت خلاصنا وميناء أبديتنا وملجأنا، وهي أولاً وقبل كل شيء لقاء مع الرب يسوع والاستمتاع بكلمة الحياة (المنجلية) والاتحاد بالنصيب الصالح (المذبح).

خلاصنا ليس منظومة اجتماعية ولا أخلاقية فقط، فلا تنفصل فيه المعرفة اللاهوتية عن الحياة الروحية والسلوك حسب الوصية الإلهية.. إيماننا وحياتنا في المسيح لا يقتصر على ممارسات ومناسبات وطقوس ومزارات؛ لكنه إيمان حي؛ وعاملٌ بالمحبة التي لا حدود لها، في لقاء دائم بالحضرة الإلهية وسلوك إنجيلي لا يتوقف عند مظهر أو شكل أو عادة روتين، بل بفهم وروح مستمر.

إيماننا وحياتنا في المسيح لا تتوقف عند تقديم عطايا وأموال وأدوات؛ لنكون موضع حفاوة وتقدير في الوسط الكنسي بما قدمناه من إسهامات؛ لكنه عطاء النفس أولًا؛ وتقديم ما هو حق للرب عن طِيب خاطر واتضاع المديون باستمرار ”يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ“ (أم ٢٣: ٢٦)، مثلما فعلت مرأة الفلسيْن؛ التي أعطت كل معيشتها.

حياتنا وإيماننا في المسيح ليست احترافية مهنة، تتحول إلى وظيفة أو مركز، تستقلّ بالتدريج عن المسيح صاحبها، لتصير في خدمة الذات وبريق الأرض والعالم والأرصدة.. ولا هي كما تصير عند البعض؛ لقمة عيش وسبب كَسْبٍ. هي ليست للمتاجرة بإختبارات الخلاص؛ ولا لبيع الأسرار؛ ولا لخلط الإيمان بالغيبيات؛ من أجل الشهرة والنجومية والعظمة الكاذبة.

كذلك هي ليست أعمالاً للاستثمار المادﻱ الرائج؛ في مجالات اتسعت رُقعتها بشكل رهيب وغير مسبوق... لكننا لن ننتفع شيئًا لو ربحنا العالم كله وخسرنا خلاصنا، فتصير الأرباح القبيحة قد هددت خلاصنا؛ وأبعدتنا عن قانوننا الأصلي ”كمَخْلُوقِينَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ؛ قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا؛ لِكَي نَسْلُكَ فِيهَا“ (أف ٢: ١٠)؛ طالبين أولًا ملكوت الله وبرّه.. مرتبطين ارتباطًا عضويًا لا بأشخاص ولا بمؤسسات؛ لكن بالمخلص، في إيمان كل ملء الحياة.. فلا يتزيف إيماننا ويتحول إلى بدائل قِشْرِيَّة مشوَّشة؛ تُبعدنا عن الطريق الحق المؤدﻱ للحياة الأبدية.