التَّجْدِيدُ والحَرَكَةُ الفِكْرِيَّةُ فِي الكَنِيسَةِ – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » التَّجْدِيدُ والحَرَكَةُ الفِكْرِيَّةُ فِي الكَنِيسَةِ – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

التصنيفات: أدب مسيحي
آخر تحديث: 12 مايو 2020

التَّجْدِيدُ والحَرَكَةُ الفِكْرِيَّةُ فِي الكَنِيسَةِ

ليس التقليد معناه التبليد؛ لكنه مواصلة الحاضر بالماضي والجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ مع الحفاظ على التخم القديم ووديعة الإيمان المستقيم كمعيار أصيل. البعض يصف حرية الفكر في أن يكون حوارًا بين ال (لا) وال (نعم) وما يتوسطهما من ظلال وأطياف.. فلا الرفض المطلق يعد فكرًا ولا القبول المطلق يعد فكرًا.. ففي الأولى العناد؛ وفي الثانية الانصياع. أما معرفتنا فهي نسبية تسمى معرفة (البدائل) نرجح فيها بديلاً على آخر. فما من فكرة إلا وتحتمل أن يكون نقيضها هو الصواب. وكل ما يعيننا هو أن نتقصىَ جميع الممكنات ليقوم حولها حوار ودراسة نستخلص منها الأفضل، وفقًا لعمل مَلَكة العقل ووزنة التفكير وموهبة التمييز الروحي والإفراز. تلك هي طبيعة الفكر المتوازن الحر الذﻱ يقوم على حوار هادف مدروس متعادل الأطراف.

يحتاج التجديد إلى تربية القلب وتربية العقل والشبع والجمال والروح، وتنمية الأخلاق والفضيلة، وغرس الاتجاهات؛ وبناء النسق الإنساني بالمهارات المتكاملة والتدريب؛ واحترام التباينات والفروق الشخصية مع القدرة على الإتقان، التي تمكِّن وتوطد أساس البناء، على أساس عمل إله كل نعمة الذﻱ دعانا إلى مجده الأبدﻱ الذﻱ ١ - يكملنا؛ ٢ - يثبتنا؛ ٣ - يقوينا؛ ٤ - يمكِّننا (١ بط ٥: ١٠). فلا تمكين من دون قوة إلهنا التي بها فقط نكون ١ - راسخين؛ ٢ - غير متزعزعين؛ ٣ - مكثرين في عمل الرب كل حين (١ كو ١٥: ٥٨).

التجديد في الكنيسة ينبغي أن يُفهَم على أنه رجوع إلى الكنيسة الأولى الواحدة، وكل ما يتصل بها من قداسة وحرارة روح؛ وبساطة إيمان وعمق الخبرة والمواظبة بقيادة الروح القدس.. تلك الكنيسة التي عاشت عصر الإلهام والتشريع المقدس وضمت باكورة القديسين والكارزين والأتقياء. تجديدنا في أن يجدد الله أيامنا كالقديم؛ لنفتش بأكثر اجتهاد عن الجوهر لا المظهر، على العمق لا السطحية؛ نستوعب ونفهم ونعيش إنجلينا وليتورچياتنا وعقيدتنا وتاريخنا وتراثنا.

ليس واردًا أن الكنيسة تصبح جديدة، لأنها عروس الحمل المزينة الكاملة الطاهرة التي لا عيب فيها، لكن الكون هو الذﻱ يصبح جديدًا (ترسل روحك فيُخلقون وتجدد وجه الأرض) (مز١٠٣).. وفي سفر الرؤيا (رأيت سماءً جديدة وأرضًا جديدة) يعني تجديد الكون؛ لأن الغاية من مجيء الرب الثاني هو أن يعيد الكون إلى ما كان عليه من مجد. أما المسيحي هو المقابل للعتيق الذﻱ يتجدد بروح الذهن ويلبس الإنسان الجديد الفاخر بحسب الله في البر وقداسة الحق. (يفنىَ إنساننا الخارجي والداخل يتجدد يومًا فيومًا (٢ كو ٤: ١٦). نتجدد بروح ذهننا، وتجديد الشخص في الكنيسة هو عمل الروح القدس، روح الجمال والمشورة والحق والمعرفة والقوة. كل شخص عضو يختفي في خبرة حياة الكنيسة؛ ولا يعتبر نفسه أنه قد صار شيئًا؛ لكنه ينهل من المرتكزات الإلهي؛ ويرتوﻱ من متكآت وينابيع الروح القدس... فالكنيسة أمنا مستودع الروح تحتوﻱ على أسرار خلاصنا؛ وفيها نكتشف ونأخذ موهبة التبني التي تحدد نمط حياتنا ليكون غير المنظور منظورًا حسب المسيح... نأخذ وجهًا وهوية وإسمًا وشركة وإتحادًا جديدًا. فندرك برضاه وبنعمته الجمال الجديد والمتجدد والفائق في القدم.

لذلك الجانب العملي في اتحادنا بالمسيح ربنا هو مصدر كل تجديد حقيقي. وكنيستنا ليست كيانًا موازيًا للعالم؛ لكنها العالم ذاته في مسيرته نحو الأبدية بين يدﻱ ذراعي الخالق. هو محيطها ورأسها ومليكها؛ ولا مصير لها خارج جمال الأبدية.. والتاريخ يسرﻱ فيها ويعطيها وجهًا تاريخيًا زمنيًا، لكنها تحيا في أبدية الذﻱ أسسها من جنبه الكريم عندما فُتح بالحربة.. أما الزمان فهو صبر الله الذﻱ يتجدد أبديًا ويسجله تاريخ الكنيسة في إطلالات حضور الروح القدس الفاعل في الأسرار والعامل في آباء وقديسي وشهداء البيعة؛ مع بقية مجتمع الاعضاء.

حريتنا في المسيح وبه نكون بالحقيقة أحرارًا، وفكرنا مستترًا فيه؛ نعي به قصد خلقتنا؛ منطلقين إلى الجمال الأبدﻱ الثابت، سُقينا روحًا واحدًا ليس صورة من صور هذا الدهر. لذلك ينبغي أن يكون الجديد في الكنيسة هو نزع ما ليس من الروح القدس أصل جمالها ونقائها وعنصرتها الدائمة. الجديد في الكنيسة هو التحرر من قيود وأغلال جشع وشهوة العالم.. الجديد في الكنيسة هو إسقاط الحجاب عن وجه العروس لتشرق أنوارها وتملأ كل البيت؛ وتعلن الوعد والموعد لكل من يدعو الرب إلهنا.. الجديد ندركه عندما نواظب على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات والمخافة، ويكون عندنا كل شيء مشتركًا.. الجديد أن لا يكون أحد محتاجًا؛ وأن نتناول الطعام بالابتهاج والتسبيح وبساطة القلب؛ ويكون لنا نعمة عند الشعب؛ وينضم للكنيسة الذين يخلصون.

إن القِدَم غير العتاقة، فالله قديم الأيام؛ أما العتاقة هي أن ننفض الغبار عن وجهنا، ليظهر جمال مجد كنيستنا بوجهها الأصيل.. نتتبع الأصاله ونمتد بها نحن الذين تبعناه في التجديد (مت ١٩: ٢٨)، ونرد الأمور إلى نصابها أو إلى حالتها الكاملة، لأن مسيحنا جاء إلينا ليعيد جمال صورتنا إلى حالتها الأصلية؛ وهوذا الكل قد صار جديدًا، وخلق فينا القلب النقي؛ وتجدد في أحشائنا الروح المستقيم.