اقتصاديات الكنيسة – القمص أثناسيوس فهمي جورج

اقْتِصَادِيَّاتُ الكَنِيسَةِ

تدبير اقتصاديات الكنيسة لا بُد أن يتم بمخافة وتدقيق علمي؛ حتى ينضج ويرتقي من حالة الخدمة إلى حالة النعمة؛ فلا يكون بين مؤسساتنا من يسلك كالغني الذﻱ بلع العطية؛ ليهدم مخازنه ويبني أكبر منها لسنين كثيرة آتية وهي لن تأتي. لذلك ينبغي تقوية الإطار المؤسساتي للكنيسة في الإشراف الوقائي على الكيانات التي تمارس أنشطة ذات طابع مالي؛ لتتأقلم هيكليتها بخطىً ثابتة نحو الشفافية المهنية ودراسة الجدوَى وأوجُه الصرف ومخصصاتها.

فبقدر زيادة العطية للمحتاجين؛ تزداد لنا الرحمة والبركة بصلواتهم المقبولة أمام الله، مشتركين معهم في الجسديات كما الروحيات؛ حتى ولو أعطينا من إعوازنا وكل معيشتنا؛ سواء كنا أعضاء أو كنائس.

كنيستنا اليوم تحتاج إلى أن تأخذ نبوءة أغابوس (أع ١١: ٢٨) مأخذ الجد الفورﻱ، وكأن حكم الله صادر للتنفيذ والتطبيق في عصر الكنيسة، لتقوم بتدابير اقتصادية متقدمة وحديثة في مستواها (حسبما تيسَّر)؛ أﻱ تضع نظامًا محددًا بالأرقام والنسب ودراسات الجدوَى، في إطار شركة إنجيلية فعالة لخدمة احتياجات القديسين والتزامات الكنيسة الضرورية... تضعها بالروح وفي الروح، خاصة في كنيستنا النسكية التي تحمل صليب الاضطهاد طويل الأمد، وتتعرض للتهديم والحرق والإمحاء والتهميش والاستنزاف والإعواز المادﻱ (١ كو ١: ٤)؛ معترفين بنعمة الله المعطاة؛ وبمجد كنيستنا الأمينة التي شعبها يعطي بسخاء؛ حسب الطاقة بل وفوق الطاقة من تلقاء أنفسهم، وقد أعطوا أنفسهم أولًا بحملهم الصليب واستشهادهم اليومي حتى سفك الدم.

إن تطبيق مَثَل الغني الغبي؛ قد لا ينطبق على شخص؛ لكنه قد يكون مؤسسة أو إدارة أو لجنة. لهذا علينا أن نختبر إخلاص محبتنا؛ عارفين نعمة ربنا الذﻱ من أجلنا افتقر وهو غني؛ لكي نستغني بفقره؛ لا لنفعل فقط؛ بل لنريد ونعطي بسرور، محددين الأولويات القصوَى في ترتيبها الحكيم؛ فنتمم العمل بنشاط الإرادة تتميمًا حسب المساواة: لتكون فضلات كنيسة لإعواز أخرى؛ لأن الذﻱ جمع كثيرًا لم يفضل عنه؛ والذﻱ جمع قليلاً لم ينقص (٢ كو ٨: ١٤).

الغنىَ الحقيقي للكنيسة هو في سيرتها الخالية من المال والبذخ وترف الإسراف، وهو بالأحرَى في اكتفائها بما عندها؛ لأن مسيحها هو كفايتها وحاضرها ومستقبلها... غناها ليس في التخزين والاكتناز والممتلكات؛ التي صارت للبعض (أوثان)؛ ولا في تعظم المعيشة وشهوة العيون ومنافسة المباهاة وحُبّ الظهور والافتخار الشخصي الباطل.

ومن هنا تأتي أهمية دراسه جدوَى كل عمل ومشروع؛ من حيث تكلفته الحتمية وضرورته وأهدافه وجدواه وطاقته المستوعبة؛ وفقًا لآلية تنفيذ جدية، بعد أن كثرت الأبنية والمصايف والبيوت والمنتجعات والرحلات والاحتفالات والمزارع والقاعات والصالات؛ دون الاستفادة المُثلىَ منها، وفقآ لرؤية اقتصادية تؤخذ محمل الجد والحرص.

فلا تقوم المشاريع والأعمال الكنسية من دون فحص ودراسة ومراجعة تنفيذية، تحت أشراف جهات استشارية متخصصة قادرة على المراقبة للمساعدة في اتخاذ جدوَى القرارات المناسبة؛ حتى يكون المردود الكنسي منها موافقًا لاحتياجات الكنيسة العامة؛ من دون أﻱ تكرار إو إهدار؛ لأن تداعيات التغاضي عن هذه الدراسة تهدر الأموال الضخمة؛ وتبدد الطاقات التي كان لها أن تتوجه لأولويات مدروسة بفطنة وأمانة ورؤية أوسع وأشمل؛ لأموال الله الخاصة بالأوقاف والصدقة.

وبالرغم من سلامة هذا الطرح وضرورة أهميته؛ إلا أنه فيما يبدو أن المناخ الوجداني الشائع لا يستمزجه، ويقف عنده في حالة استرخاء مزاجي؛ جعل علاقة كل كنيسة بالبطريركية روتينية، أما المضمون مُسَيَّب، متروك للأهواء والنزاعات، كلٌّ وفقًا لموارده ولما يتراءَى له، وكأننا لسنا كنيسة واحدة؛ بل كنائس حسب عدد القادة... كل واحد يتصرف كيفما يتراءى له منفردًا؛ وعلى طريقته الخاصة، يأخذ قليلاً من هنا وهناك ويضع بصمته... ومن هنا تتشرذم الطاقات وتتكرر الأعمال ويُهدر الكثير منها؛ إما بسبب المحاكاة أو المباهاة.. فهل نسينا أننا كنيسة واحدة نعيش في شركة واحدة؛ والأموال عندنا توضع تحت الأقدام، ليكون كل شيء مشتركًا مع الكنائس الفقيرة والمعدمة، حاسبين حساب النفقة المدققة في كل عمل.

لا يمكن أن ندافع عن بذخ المظاهر والأنشطة الكنسية بإسم عظمة الكنيسة؛ لان أساس العمل الليتورجي هو رمزية الجلال اللاهوتي والحضرة... ولا يمكن أن ندَّعي الفقر الاختيارﻱ إن وُجد، بينما تصرفاتنا تنُمّ عن الاكتظاظ والاكتناز والملياردية، ناسين أننا أعضاء وخدام كنيسة الإسكندرية؛ ولسنا في روما أو بيزنطة.

إن وجه حبيبنا ونصيب نفوسنا حاضر بقوة في كنيسته؛ وهو قد وعد أتقياءه منذ الدهر بأنهم لن يعوزهم شيء، ولن يتخلى عنهم حتى يكمل خطته بهم؛ ويقيس أماناتهم واتكالهم عليه لا على المكتنزات؛ حتى يقرر في الزمن المعين نصيبهم عنده. وحاشا للذﻱ دعانا بنعمته أن يتركنا ناقصين معتازين من جهة احتياجات كنيسته؛ لأن كل من يؤمن بغير المنظور ويثق فيما لا يُرَى؛ يتحقق من غنىَ صاحب الكنيسة الذﻱ وُلد في مذود لا في قصر، والذﻱ لم يكن له أين يسند رأسه ولا قبر يُدفن فيه، معطيًا إيانا درسًا وطريقة نجمع بها حنطة فاضلة من فضلِهِ وغناه، ومن لا يغتني بفضله؛ لا تنفعه كل مظاهر هذا العالم.

عندما نتحصن بالأموال والمقتنيات؛ نظن في ذاتنا أن فضل الإنجاز والقوة هو منا؛ فتتحول مقاصد حياتنا السماوية إلى تراب وطين وزوال يفسد.. لذلك روَى القديس جيروم عن البارة ”باولا“ Paula أنها أرادت أن تنفق أموالها لا على مبانٍ حجرية تزول بزوال العالم، بل على الحجارة الحية المُمَيْرَنَة التي تُبنىَ بها المدينة التي لها الأساسات (رؤ ٢١: ١٤).. فلنتشبه نحن بهذه السِيَر، وبالرجل العاقل الذﻱ سمع الأقوال وعمل بها؛ حتى لا نتوقف عند الوعظ فقد.

خدمتنا وشهادتنا لن تكون في مضمونها - (وعظية أو كلامية) - مجرد ترديد لموروثات ونصوص قيلت في وضعيات معينة؛ لكنها تقوم على الكلمة المصباح التي قالها فيلبس لنثنائيل: ”تعال وانظر“ (يو ١: ٤٦)؛ فتكون أعمالنا ظاهرة وهي التي تحكم؛ إمَّا أن تكون بركة أو عثرة... لقد أثقل التاريخ كاهلنا بإشكاليات ومظهريات ملتبسة... حيث أن المسيح ملكنا يختلف عن قيصر؛ وحيث أن مجده ليس من هذا العالم، والراعي غير الامبراطور، والقيافة الزمنية غير الأبوة الخادمة للشعب البار الحافظ الأمانة، الذين ملكوت الله في قلوبهم؛ حافظين للوفاء والغيرة على كنيستهم في تأدب ووَرَع... بينما عثرات التصرف تُعيق كثيرًا الحضرة الإلهية الصافية... ولا يمكن أخذ وَثَبَاتٍ نحو مستقبل ناضج للأجيال الواعدة، ما لم نَرْدِم الهوة القائمة بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون!! بين الموجود والمرتجىَ!! بين المعمول وما يجب أن يكون عليه الحال!! أنه أمر يقع على عاتق الجميع الذين أولهم أنا؛ للمراجعة ومحاسبة النفس بتدقيق وفحص؛ من أجل توبة ورجوع شخصي ومشترك؛ خاص وعام.

حتى لا يختلط التمظهر التَقَوِﻱّ بالتمظهر الدهرﻱ، وحتى لا تصير الحياة الكنسية حياة هجينة؛ بعيدة عن حكم تقوىَ العقل ورجاحته، ذلك العقل الأرثوذكسي الآبائي الساجد الناسك المستقيم الرأﻱ؛ والحياة والنقل والتقليد؛ لأن استكانتنا للكثير من السلبيات؛ يعطل تحضرنا الرعوﻱ للمستقبل، ويعطي الذئاب الخاطفة فرص التشويش والتشهير والاقتناص.. فلنمتحن كل شيء ونتمسك بالحسن (١ تس ٥: ٢١)؛ لأن كل من ينقيه؛ يأتي بثمر أكثر.

30 مايو 2014.