إتفاق موقف الرسل ضد بدعة التهوُّد – المهندس مكرم زكي شنوده

الرئيسية » مقالات » إتفاق موقف الرسل ضد بدعة التهوُّد – المهندس مكرم زكي شنوده.

آخر تحديث: 11 أكتوبر 2019

تنبأ العهد القديم بقبول الأمم :-

[وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتاً فِي رَأْسِ الْجِبَالِ وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ وَتَجْرِي إِلَيْهِ كُلُّ الأُمَمِ.  ] أش2: 2 .

[ وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْداً. ] أش11 : 10 .

وقد أكد ربنا يسوع المسيح ، أن الوعد بالخلاص هو لجميع البشر ، إذ قال :- [وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَظِيرَةِ يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضاً فَتَسْمَعُ صَوْتِي ، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَرَاعٍ وَاحِدٌ ( حسب الترجمة الحرفية ). ] يو10:16 . وكذلك ،عندما كلَّف رسله القديسين بالكرازة للعالم أجمع :- [وَقَالَ لَهُمُ: « اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. ] مر16: 15 وكذلك :- [وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ ] لو24: 47 .

ولكن الرب – فى البداية – لم يأمر التلاميذ صراحة بإلغاء مظاهر التهوُّد ، كالختان ، بل حدث ذلك لاحقاً ، عندما أعلن ذلك فى الرؤية لبطرس الرسول ، والخاصة بموضوع قبول كرنيليوس الوثنى ( أعمال 10 كله ) ، وما تبع ذلك من حلول الروح القدس على كرنيليوس وأقاربه ، بدون أن يختتنوا .

فآمن بطرس الرسول بما أراده الرب أن يفهمه ، وهو قبول الأمم بدون ختان ، ولذلك قام بتعميدهم بدون ختان .

وقد أعلم بقية الرسل بما رآه فى الرؤية ، ثم بما حدث من حلول الروح القدس على الأمم بدون أن يختتنوا ، فآمنوا هم أيضاً ، ومجدوا الله قائلين :- [ لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ سَكَتُوا وَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ قَائِلِينَ: «إِذاً أَعْطَى اللهُ الْأُمَمَ أَيْضاً التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ!». ] أع11 : 1- 18.

أمـَّـا بخصوص الإنزعاج الذى أحدثه بعض اليهود المتنصرين ، وهم الذين لم يكونوا : لا من الرسل ، ولا من رجال الكنيسة ( الشيوخ ) ، بل من اليهود العاديين ، الذين آمنوا وتحمسوا للتبشير ، داعين الأمم للختان أولاً  ، ولكن ذلك كان بحسب تفكيرهم الشخصى ، وليس بأوامر من الرسل والكنيسة .

وعندموا حدث إنزعاج ، فى كنائس الأمم ، بسبب دعوة أولئك إلى الختان كشرط للخلاص ، فإن بولس الرسول ذهب إلى الكنيسة الأم فى أورشليم ، وعرض المشكلة على الرسل .

فإجتمعوا معاً – مما أسس لمبدأ الحكم من خلال مجمع وليس فردياً ، مما ينفى إحتمالية الترأس لأحدهم على الباقين – حيث أعاد بطرس الرسول التذكير بما حدث فى موضوع كرنيليوس ، و حلول الروح القدس عليهم بدون ختان ، مما يعنى أن الرب يأمرهم بعدم مطالبة الأمم بالختان

وقد أيده بقية الرسل ، وقد تميـَّز يعقوب بأن إقترح على مجمعهم أن يرسلوا حكماً  نهائياً  نافذاً ، مكتوباً ، يقضى بعدم مطالبة الأمم بشيئ من الممارسات اليهودية  ، وقد نفذ الرسل ذلك فعلاً . كما أنهم تبرأوا من الأشخاص الذين صنعوا ذلك الإنزعاج ، مؤكدين أنهم فعلوا ذلك بدون أمر الرسل ، بل من تفكيرهم الشخصى :-

[ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ هَكَذَا: «اَلرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ وَالإِخْوَةُ يُهْدُونَ سَلاَماً إِلَى الإِخْوَةِ الَّذِينَ مِنَ الْأُمَمِ فِي أَنْطَاكِيَةَ وَسُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ: 24 إِذْ قَدْ سَمِعْنَا أَنَّ أُنَاساً خَارِجِينَ مِنْ عِنْدِنَا أَزْعَجُوكُمْ بِأَقْوَالٍ مُقَلِّبِينَ أَنْفُسَكُمْ وَقَائِلِينَ أَنْ تَخْتَتِنُوا وَتَحْفَظُوا النَّامُوسَ – الَّذِينَ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْهُمْ. 25 رَأَيْنَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ مَعَ حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ 26 رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلاَ نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ 27 فَقَدْ أَرْسَلْنَا يَهُوذَا وَسِيلاَ وَهُمَا يُخْبِرَانِكُمْ بِنَفْسِ الْأُمُورِ شِفَاهاً. 28 لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ غَيْرَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ :29 أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَعَنِ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا الَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ»]أع 15 : 23 – 29 .

إذاً ، لم يكن أحد من الرسل ، من دعاة التهوُّد ، بل بالعكس ، كانوا جميعاً يأمرون بعدم فعله ، معتبرين أن الذى يفعل ذلك هو : ” صانع إنزعاج ” ، وينبغى عدم مطاوعته .

وهكذا ، حوَّلت العناية الإلهية ، هذه المشكلة  — التى صنعها المزعجون — إلى خير للكنيسة مدى الأجيال ، لأن هذا الحكم المــُلزم للجميع ، قد أنهىَ  بدعة التهوُّد ، نهائياً ، وبلا عودة .

كما أن هذه المشكلة ، قد أوضحت الإسلوب الذى كان يتخذه الرسل ، بحسب أمر الرب لهم بأن يكون الرسل جميعاً إخوة ( مت23: 8  ) ، فإنهم ، وإن كانوا رعاة للقطيع ( يو21: 16 )، وشيوخ وآباء للمؤمنين ، ولَـَدوهم فى المسيح ( فل 10 ) ، إلاًّ أنهم – فيما بينهم كرسل — إخوة ، وليس بينهم رئيس عليهم ، لأن المسيح هو رأسهم ورئيسهم ، وهم وكلاءه على الأرض ( لو12: 42 ، 1كو4: 1 ) ، بالتساوى .

وأما بخصوص ما يذكره الإنجيل ( غل2: 11- 14 ) ، عن توبيخ بولس الرسول ، لبطرس الرسول ، بسبب مراعاة بطرس الرسول – الزائدة – لمشاعر اليهود الذين آمنوا ، فإن ذلك لك يكن ناشئاً عن أن بطرس الرسول كان يرغب فى تهويد الأمم ، بدليل أنه هو نفسه كان يعيش أممياً ( غل2: 14 )، أى أنه كان متحرراً من القيود والأثقال والرموز ، التى كانت فى العهد القديم .

بل كان الدافع لبطرس الرسول ، هو حرصه الشديد على عدم إعثار اليهود الذين آمنوا  ، بسبب ضعفهم فى الإيمان ، وحساسيتهم المفرطة فيما يختص  بالناموس اليهودى  ، لئلوا يهلكوا بسبب علمه الفائق على قدراتهم الإيمانية الضعيفة .

وهذا الحرص على مشاعر الضعفاء فى الإيمان ، ليس منحصراً فى بطرس الرسول ، بل إن ذلك الأمر كان هو القاعدة التى يسير عليها بولس الرسول نفسه ، فى مواقف أخرى ، كان فيها يقع فى المواجهة : ما بين إعثار الضعفاء ، وما بين عدم التشدد فى الأمور التى تعثرهم ، إلى أن يصيروا أقوياء إيمانياً .

ومن المواقف التى تصرَّف فيها بولس الرسول نفسه ، بهذه الروح  المترفقة مع الضعفاء ، لمنع العثرة عنهم :-

(( 1 )) ختانه لتيموثاوس ( أع 16: 1- 3 ) ، ليس لإرتداده إلى التهوُّد وكأن الختان أصبح ضرورياً للخلاص بل لحرصه البالغ على مشاعر المتنصرين اليهود ، وهى المشاعر البالغة الحساسية .

(( 2 )) كما أنه حكم بعدم أكل اللحم المذبوح للأوثان ( 1كو 8 ) ، ليس لأنه يعتبرها نجسة فى ذاتها ، بل لخوفه على مشاعر المؤمن الضعيف ، لئلاَّ يجرح مشاعره المفرطة فى الحساسية .، بل إنه حذَّر أى أحد من فعل ذلك  ، قائلاً :-

[وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ فَنَعْلَمُ أَنَّ لِجَمِيعِنَا عِلْماً. الْعِلْمُ يَنْفُخُ وَلَكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي فَيَهْلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِكَ الأَخُ الضَّعِيفُ الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ.  وَهَكَذَا ، إِذْ تُخْطِئُونَ إِلَى الإِخْوَةِ وَتَجْرَحُونَ ضَمِيرَهُمُ الضَّعِيفَ  ، تُخْطِئُونَ إِلَى الْمَسِيحِ.  لِذَلِكَ إِنْ كَانَ طَعَامٌ يُعْثِرُ أَخِي ، فَلَنْ آكُلَ لَحْماً إِلَى الأَبَدِ ، لِئَلاَّ أُعْثِرَ أَخِي.  ] 1كو8: 1 – 13 .

إذاً ، لم يكن يوجد أى خلاف بين الرسل أجمعين فى الفكر أو الإيمان ، بل كانوا جميعاً يترفــَّـقون فى تنفيذ الصحيح — الذى يعرفونه ويؤمنون به  — خوفاً من أن يكونوا سبب عثرة لمشاعر الضعفاء ، متمثلين بقدوة رب المجد ، الذى أعطى الدينارين ، ليس لأن ذلك هو المفروض عليه أن يفعله ، بل بدافع عدم إعثار الناس :- [ لئلا نعثرهم ] مت17: 27 .

فهكذا كان يسلك الرسل أجمعون ، يسلكون بذات الروح الواحد ، الذى هو :-

[الرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ. ] يع2: 13 .

بخصوص الآية : ( يو10: 16 ) ، فإن الترجمة الحرفية من اللغة اليونانية القديمة ، هى : – [ ويكونون رعية واحدة راعى واحد ] ، بدون أداة ربط بينهما، كما نلاحظ أن الفعل: ” يكون ” ، هو فى حالة الجمع ، كما نلاحظ تقديم الرعية الواحدة ، أى الكنيسة ، عن الراعى الواحد ، أى ربنا يسوع المسيح . وهذا التقديم للرعية عن المسيح له معنى بكل تأكيد .

ولذلك ، فإن الترجمة القبطية — التى تمت فى القرون الأولى بواسطة علماء مدرسة أو جامعة الإسكندرية الذين كانوا يجيدون اللغتين تماماً كلغات حية — قد جاءت متطابقة مع اليونانى فى كل شيئ، مع فارق وضع أداة الربط ” e” بين الرعية والراعى ، لتفيد بأن هذه الرعية الواحدة تخص هذا الراعى الواحد وليس آخر .

فتكون الترجمة القبطية هى : [ ويكونون رعية واحدة لراعىٍ واحد ]

وأعتقد — كمجرد تفكير شخصى — أن المترجم القبطى الذى كان يعيش اللغتين ويملك حس اللغة ، أدرك بأن هذا التقديم – للرعية — يعنى حصرها فى هذا الراعى الواحد ، الذى هو المسيح ، وليس آخر . إذ قد توجد رعية واحدة وتخص رعاة عديدين ، وقد توجد رعية واحدة وتخص راعى واحد آخر ، وليس المسيح .

ويتوارد للذهن ، عن هذا الحس اللغوى عند المترجم القبطى القديم – كذلك ترجمته للآية

( يو10: 3 ) ، هكذا : [ فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَائها ] ، كترجمة صحيحة للتعبير اليونانى : ( كاتا أونوما ) ، فإن هذا التعبير هو إصطلاح يعنى مناداة الشخص أو الأشخاص بأسمائهم هم . وهو الأمر الذى حدث إلتزام به — فى الترجمة العربية المتداولة — فى المواضع :- [ سلَّم على الأحباء بأسمائهم ( كاتا أونوما ) ] 3يو15 ، وكذلك : [ قد عرفتك بإسمك ( كاتا أونوما ) ] خر 33: 12 .

نطلب من ربنا يسوع المسيح ، أن يفتقد كنيسته ، لتعود : [ رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ] أف4: 5 ، كما أرادها هو .