أُرْثُوذُكْسِيَّةُ التَّرْبِيَةِ الكَنَسِيَّةِ – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » الخدمة الكنسية - اللاهوت الرعوي » خدمة التربية الكنسية » أُرْثُوذُكْسِيَّةُ التَّرْبِيَةِ الكَنَسِيَّةِ – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

أُرْثُوذُكْسِيَّةُ التَّرْبِيَةِ الكَنَسِيَّةِ

وجدتُ فائدةً كبيرةً في كتاب أساسيات التربية الأرثوذكسية Foundations for Orthodoxy Education لمؤلفه Johnl Bojamaror الأستاذ القدير بمعهد فلاديمير، الذﻱ قدم ملامح ومعايير التربية الكنسية ودورها في البناء الأرثوذكسي للناشئين، وكيف أن دورها لا يتوقف على حشو المعلومات والتلقين؛ لكنه يمتد للتسليم ونقل خبرة حياة، حيث أن الكنيسة الأرثوذكسية هي الوسط والوعاء الحقيقي لتربية النشئ، وهي التي تتقدم لبناء شباب كنسي حي، لا تنفصل خبرة التعليم عنده عن الليتورجيا والأسرار.

فصول التربية الكنسية الأرثوذكسية عندنا؛ تختلف عن تعليم المدارس الرتيبة التلقين؛ لأنه اختبار (لا يُشَيَّئ) حتى يؤسس إيمان البالغين الكاملينReligion of Adults خلال الممارسة والمعايشة بالخبرة والتذوق والعيان والمثال والسلوك؛ حيث يكون الوسط الليتورجي هو ”الرسالة“. فمدارس الأحد عندنا ليست منبر كلام؛ لكنها تربية شاملة تكون فيها الكنيسة هي الرحِم والوعاء والوسط Matrix الذﻱ فيه نستقي ونتشرّب الإيمان فننمو بمعرفته؛ ونشبع بممارسته بفهم.

التربية الكنسية هي مدرسة الكنيسة، وهي إشبينة الناشئين إلى جوار الوالدين؛ كي تساعدهم في مهمة حراستهم وتسليمهم إيمانهم الكتابي والآبائي والسرائرﻱ الليتورجي المعاش (البارادوسيس) Παράδοσης إذ ليس هناك تربية مسيحية من دون كنيسة.. وحسنًا قيل أن مدارس الأحد هي رِئَة وقلب الكنيسة. أمّا المعاهد اللاهوتية فهي عقلها النابض، حيث الكنيسة هي التي تربّي، وتكون الكنيسة كلها مدرسة The whole church educates.

ليست التربية الكنسية عندنا نحن الأرثوذكس مجرد فصول (تعليم آلي) تلقينية؛ ولا مجرد محاضرات مدرسية تتبعها أنشطة فردانية انعزالية، تقوم على حشو الأدمغة بالمعلومات، لكنها تربية ليتورجية Liturgical Education نولَد فيها جميعًا بالمعمودية، ونتربى ونتغذى بتسابيحها وسِيَر قديسيها وسنكسارها وفكر آبائها وفكرها العقيدﻱ ونصوص ليتورجيتها المصلاة، وغذاء أسرارها وقداساتها ومناسباتها التي تُنمّي مُدرَكاتنا وحواسنا؛ بمفاهيم مدلولات طقوسها.

معلمنا الأوحد حاضر فيها بمجده ومجد أبيه والروح القدس، وهو محور وجودنا واجتماعنا؛ يلقننا أسراره عبر العمر؛ مع رحلة تدبير الخلاص؛ وفقًا لأجندة السنة الطقسية الليتورجية... والتي تصير لنا سنة مقبولة للرب؛ تتجدد كمسيرة ممتدة ننمو فيها باللبن العديم الغش؛ ثم بطعام البالغين. تعليمًا اندماجيًا يستقطب الجميع أفقيًا ورأسيًا، ليصنع قديسين أرثوذكسيين في نموذجية متكاملة؛ تُولَد في جرن الثالوث القدوس، لتقترب من قُدُسات القديسين. رحلة لا يكبُر فيها العقل من دون القلب والروح، في تربية متوازنة متعقلنة بالروح، مصبوغة بروح نسك واتضاع معرفة الآباء.

مدارس الأحد تهدف إلى تنشئة معلمين يعيشوا تلمذة العمر كله، عبر الشركة كنموذج حقيقي لحياة المسيحي Socialization وفي الأسرة Family كإشابين، مع تكوين الأخلاقيات Morality التي سماها الآباء بعلم اللاهوت السلوكي العملي... فلا فصل بين الليتورجيا والتعليم؛ لأن دورها ممتد لا يتوقف فقط عند مراحل الطفولة، حتى لا تتشيَّئ الخدمة، بل ترتقي بالأفهام والخبرة؛ لتطوِّع كل الأنماط الشخصية للخلاص، الذﻱ دبره لنا الآب من قبل تأسيس العالم، فلا أب مثل الله ولا معلم مثله، ولا خادم كالذﻱ خدم لنا الخلاص. هو مصدر كل أبوّة وهو المعلم الأوحد؛ الذﻱ علّم التعليم الجديد بسلطان وليس كالكتبة، وقدم لنا الموديل والمثال والقدوة التي تُحتذىَ، ناظرين إليه ”رئيس الإيمان ومكمِّله“، متحدين به في الإفخارستيا الليتورجية، حتى نعيش ليتورجيا ما بعد الليتورجيا في سلوك معيشتنا.

أرثوذكسية التربية الكنسية تتحقق في حوارنا الديالكتيكي في العبادة والأسرار، عبر الرموز Symbols والاندماج في تكامل مع الثالوث القدوس ومع القديسين ومع جماعة المؤمنين في ديناميكية حوارية، عندما ننفتح ونخرج من ذاتيتنا ومحدوديتنا البيولوجية (الخروجية Exlermalixation) ونستشعر المحسوس بالرمز وندرك قصده ومفاهيمه الموضوعية (Objectification)، فنذوب في تذوقه ونستبطن معانيه ونندمج فيه كهدف حياتنا (التذويب Internalization). ننير كالشموع وننصهر؛ وتكون سيرتنا رائحة بخور، ونتحد كسنابل مطحونة برحَى التجارب ومخبوزة بنار الآلام، قرابين تقدمة، وكأس واحد معصور من حَبّات كرم، دخلت المعصرة لتتحد وتتجمع معًا بالمحبة الأخوية الإنجيلية والقُبلة المقدسة الرسولية، وبالإنصات للكلمة أنفاس الله، وبالسجود والميطانيات وقَرْع الصدر والتشفع بالقديسين، وبإقتداء أيقونات الشهداء والقديسين الساكنين معنا؛ كحراس ونماذج ووسيلة إيضاح، نقتفي صداقتهم؛ لأنهم عبدوا المسيح بإخلاص؛ وكمَّلوا دستور وصايا إنجيله، عارفين الله بكل كياننا وحواسنا؛ نعاينه ونتذوقه ونشتمّه ونلمسه ونسمعه ونأكله ونتحد به؛ لأننا لا يمكن أن نكون كاملين؛ بينما لا نحيا كل الأبعاد.

هذه الملامح الحسية في غاية الضرورة للإشباعات الروحية الكيانية للشخص كله، في كنيسة الرب المتجسد؛ كنيسة الحواس المدرَّبة بالاستشعار للمحسوسات - والاستبطان للمدركات - والاستطعام للمذاقات. نرتفع إلى أعتاب الإلهيات الأبدية، بالمثال والرمز الذﻱ يعمِّق المعنى؛ والمعنى يعمِّق الاختبار، والاختبار يعمِّق العِشْرة؛ والعِشْرة تؤسس الشركة؛ والشركة هي الوجود، والوجود هو المسيح إلهنا.