أهمية تطوير المكتبات في الكنيسة القبطية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » أهمية تطوير المكتبات في الكنيسة القبطية – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

التصنيفات: أدب مسيحي
آخر تحديث: 12 مايو 2020

أَهَمِيّةُ تَطْوِيرِ المَكْتَبَاتِ فِي الكَنِيسَةِ القِبْطِيّةِ

تأتي أهمية المكتبات والكتب في أن من يفتشها يجد له فيها حياة أبدية؛ والكتب المقدسة امتداد للكتاب الإلهي؛ كتاب الكتب؛ كتابنا المقدس.. فكيف لنا أن نتعمق ونفهم ونعرف ونرى عظمة مسيحنا وغنى كنيستنا إلا بالرجوع إلى كتب العبادة الكنسية والتفاسير والشروحات والآبائيات وكتب التاريخ والطقوس والسِيَر؟!

إن التعليم اللاهوتي الذﻱ نتلقاه في عظة القداس وفي الاجتماعات التعليمية وفي مدارس الأحد لا يكفي ولا يرُدّ على كل أسئلة واحتياجات المؤمنين المتشعبة والمتعلقة بالتحديات الحاضرة وبالشكوك التي يواجهها إيماننا؛ بالرغم من كل العمل التعليمي الدائم والمتفرع والمتدرج لكل الأعمار السنية. ومن هنا يأتي الاهتمام بتطوير المكتبات في كنيستنا؛ حتى يتمكن كل مؤمن من التفتيش والمطالعة والبحث عن المعرفة الإلهية؛ خاصة في عالم يفتقر إلى لذة المعرفة الروحية؛ ويموُج بتيارات وانحرافات عديدة؛ بينما إيماننا ينبني على تصديق المعرفة والإقناع؛ فإيماننا يتأسس على الثقة والقناعة والفهم؛ لا على القهر والإرهاب الفكرﻱ.

مسيحيتنا نور وإعلان للأمم؛ وهي لا تعرف التنزيل؛ وهي أيضًا ليست مجرد ممارسات وطقوس دون فهم وعيش؛ لكنها معرفة الله الحقيقية الصافية السامية غير الكاذبة.. وهو ما يتعين علينا أن نفتش عنه في الكتب المقدس؛ أنفاس الله. وهو ما لا يمكن لنا أن ننقله شفاهيًا أو سماعيًا في حضارة اليوم؛ بل يجب أن يتراكم فينا عبر القراءة والفحص والتفتيش بإجتهاد.

مكتبتك الروحية الخاصة هي ثروتك وكنزك وخير ينبوع عندك لمعرفة المسيح. فمكتبتنا في الكنيسة تضم خزانة مشبَّعة بمدخرات الودائع الإيمانية الثمينة؛ بعد أن اعتبر آباؤنا الأولون أن أهمية المكتبة تأتي مباشرة بعد المذبح؛ لأن عدم المعرفة يساوﻱ الهلاك.. لذلك اهتموا بالعلاقة بين الإيمان والثقافات المعاصرة؛ بين الإيمان والعلم؛ بين العقل والقلب؛ وحرصوا على فهم الإنسانيات تمهيدًا لفهم الإلهيات والعلوم اللاهوتية، بعملهم بالكتابة والنساخة والفهرسة وتجليد المخطوطات؛ مهتمين بدراسة اللغات الأصلية للكتاب المقدس؛ ودراسة الفهارس والمعاجم والموسوعات؛ حتى يقتنوا المعرفة التفسيرية المنهجية المضنية؛ المؤسسة على ثقافة واسعة ومعرفة راجحة وبنية آبائية؛ لا على المعرفة السطحية الظرفية.

ليس معنى أننا أرثوذكسيون تقليديون أن عصر الآباء قد انتهى؛ لكنه ممتد؛ والروح القدس يعمل حتى الآن ويُخرج جُدُدًا وعتقاء، وآباؤنا الأولون كتبوا أعمالهم اللاهوتية ذات مضمون عقيدي دسم؛ مبني على الكتاب المقدس، ووضعوا قواعد التفسير الإنجيلي، وجادلوا الهراطقة وأفحموا بعلمهم أساطين البدع... كتبوا رسائل ومقالات وأشعارًا وأقوالاً وعظات وتفاسير وخُطبًا وميامر؛ وعظّموا قيمة الفكر. لذا تعاطى الشعب العلوم اللاهوتية كما تناوله الآباء المعلمون، ولم يكن في الكنيسة طبقة مستمعة فقط؛ لكن الناس كلهم كانوا يتجادلون باللاهوت في بيوتهم وأشغالهم؛ من حيث أن حياتهم كانت قداسة ومعرفة بآن واحد؛ وفهمهم لم يكن يتوقف عند العقل؛ بل فهمًا إعلانيًا خلاصيًا مشروحًا بالآباء معاشًا بالقديسين؛ فهمًا نسكيًا لاهوتيًا اجتماعيًا ثقافيًا بأبعاده الحضارية والكونية.. فجاءت كتابات الآباء في مجملها أعمالاً مضنية لا يتصدى لها إلا الأكفاء روحيًا وعلميًا؛ الذين سكنت الكلمة قلوبهم وفاضت بها أفواههم وأقلامهم.. فكما كانوا خدامًا للمذبح؛ كانوا أيضًا خدامًا للمكتب؛ لأنه إذا لم يتحول المكتب إلى مذبح؛ تصير المعرفة الكنسية فانتزيّا وترفًا فكريًا.

وأحب أن أنوِّه أن بعض مكتبات الكتب بالكنائس - (لست أقصد المكتبات الاستعارية) – قد تحولت إلى بوتيكات؛ مفضلة تسويق الهدايا عن توزيع المطبوعات وترويج الفكر؛ بحجة هامش الربح وسرعة دوران رأس المال.. بينما رأس مالنا الحقيقي هو معرفتنا الإلهية وإيماننا الثمين؛ وهو لا يُقدّر ولا يُقارن إلا بنفسه... وعُذرﻱ في هذا أنني وجدت البعض يفعل هكذا وليس الكل.

فالكنيسة لا حياة لها بالتقوى فقط؛ ولا بالعلم فقط؛ بل بكليهما معًا (نبدأ بالإيمان ونكمل بالمعرفة؛ ونبدأ بالمعرفة ونكمل بالإيمان). فلنجدد عصر الآباء ونطور أداء مكتباتنا؛ لتأخذ مكانتها وأهميتها الأولى؛ لأننا إذا عرفنا عقيدتنا معرفة وافية؛ نجدُ حلاوة الخلاص الثمين ونلمس كل تفصيل من التفاصيل النافعة للخلاص ولجمال النفس.

5 يونيو 2013.