أبونا بيشوي بطرس كاهن العلي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » أبونا بيشوي بطرس كاهن العلي – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

أبُونَا بِيشُوﻱ بُطْرُس كَاهِنُ العَليّ

تمنطقت وتقدمت لخدمه غسل أرجل الجميع، وأكملت الطاعة لمشيئة إلهك، ولما كملتْ أيام خدمتك رجعت إلى بيتك الأبدﻱ... ألبسوك ثياب التقديس التي لن تخلعها عنك فيما بعد. تسربلت بها؛ وهي ذات الثياب التي ارتديتها كل يوم في قداسك اليومي الذﻱ ما بارحت خدمته على مدى سني كهنوتك، مرافقًا للمذبح وملازمًا الذبيحة الإلهيه اليومية، وكيلاً وشفيعًا وخادمًا للأقداس، فكنت بخوره؛ تحترق وتفوح عطرًا؛ وشمعه تحترق لتذوب وتنير، وقربانه ذبيحة مطحونة ومسحوقة مقدمة كصعيدة حية ناطقة على المذبح المقدس السمائي. لبست ثياب البهاء والمجد التي كسوك بها، بعد أن تزينت بنعمة البر والتقديس، وتشرفت بخدمة رعية الملك لحساب مجده، متمنطقًا ساهرًا مستعدًا، لترث الملك المعد وتنضم إلى طغمة الأربعة والعشرين السمائيين... سموك بيشوﻱ؛ فكنت ساميًا عاليًا على الصغائر متساميًا عن كل مجد فارغ، حاملاً أسماء رعيتك على كتفيك للتذكار الأبدﻱ، ملقيًا بأثقالهم على السيد الوحيد الضابط الكل. ارتديت صدرة الكهنوت لتقف أمام المجد الأبدﻱ في الأبتهاج، محملاً بالآلام وبكل أذرة التاجر في صبر ومسكنة الروح وبساطة الصيادين الرسل... وصدرتك هذه لن تُنزع عنك؛ فخدمتك للمغتربين والمحتاجين أسهمت في تراجع ذاتك وتواريها، منشغلاً بصرخات ومشاركة هموم المؤمنين التي استغرقت فيها حتى اجتزت لتتكلل بالأكاليل التي لا تبلى. أمسكت بصليب يدك وبإنجيل البركة بعد أن حملتهما خفية وعلانية، ومت ميتات كثيرة؛ لكنك كنت محوطًا بعناية وحماية مسيحك الذﻱ اختصك ببناء عشرات الكنائس والمذابح؛ فبنيت له الحجر والبشر، وأسست ملكوتًا لا ينقرض ولا يتزعزع... حملك مسيحك وعمل بك لتضع الأساسات والآلاف من الحجارة ومواد البناء والمؤن والألواح المقدسة وزينات المقادس، والتي هي محصاه عند المسيح رب الهيكل والبيت ورأس الزاوية، وهو الذﻱ سيعوضك عنها بالقصر السماوﻱ بما لا يفنى حيث مواضع الراحة والسرور في كورة الأحياء... فقد عكست مجد البيت الأبدﻱ هنا على الارض بتعبك وسهرك وآلامك وسعيك الدؤوب... لهذا بعد أن تعبت آن لك أن تستريح؛ فأراحك مسيحك (كفاك تعبًا يا حبيبي بيشوﻱ)... وها نحن ندخل على تعبك لنكمل ما تسلمناه على درب تكريس الخلاص. أما الحجارة الحية والبناء المادﻱ، فقد رسّخته في النفوس؛ وصار لك تذكارًا أبديًا نلت به رضى ربنا القدوس لتعيّد عيدًا لا ينقطع وأنوار المنارة الكريمة، بعد أن وضع الله في قلبك أفكاره ومقاصده، وحدد لك ومعك الأماكن التي تبني فيها الكنائس الكثيرة التي بنيتها حسب مشورات المشيئة التي من السموات... وحقًا قدمت لله مشورة حريتك، وكتبت أعمالك تبعًا لأقوال الله؛ وتممت الخدمة المعطاة لك والمملؤة سرًا. عشت الإنجيل الذﻱ حملته معك في قبرك، وقد عرفت أن تميز بين الأمور المتخالفة، فتسمع لصوت الله وتميزه؛ ولا تنقاد وراء أﻱ روح غريب، فما سمعتك قط تدين أحدًا أو تذم أحدًا، لأنك أعطيت الحكم للحاكم، ووليت ظهرك لكل مباهج وكرامات المتكآت الأولى؛ وقد خدمت الناس خدمة العبد للسيد لا خدمه السيد للعبد. صليبك وإنجيلك المضموم في يدك، حملتهما في خدمتك التي كانت بلا تمييز؛ ولا تنتظر المقابل، بل تبتغي وجه الله المحب... خدمت الجوعَى والعطاش والعرايا والغرباء والمحتاجين إلى المأوَى، والمرضى وذوﻱ العلل المستعصية والجزام... وخدمت المحتاجين إلى المواساة والمساندة والسجناء، وبرعت في تكميل احتياجات القديسين، بسخاء في الخفاء والعلن، وراعيت الخطاة والراجعين، وقدمت الخلاص والعطاء الإلهي الغني والغامر، عبر محبتك ودعتك وسجيّتك، متجولاً لتصنع الخير؛ والله إلهك لن يضيع أجرك ولن ينسى عملك الذﻱ أظهرته نحو اسمه؛ وسيكافئك عنه بالكيل الجيد الملبد، المهزوز والفائض، وسيُدخلك إلى الملكوت الموعود المعَد منذ تأسيس العالم، وقد أكرمك الذﻱ يكرم الذين يكرمونه؛ فسمحت عنايته بأن تُدفن تحت المذبح كشهيد بغير سفك دم لتستريح زمانًا يسيرًا حتى يكمل رفقاؤك سعيهم؛ نائلاً المواعيد بشهاده ضميرك وحياتك وأيقونة سيرتك التي لكاهن الله العلي.

14 مارس 2013.