الفصل الرابع عشر: بين الموت والحياة

هذا الفصل هو جزء من كتاب: المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج – القمص أشعياء ميخائيل. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الرابع عشر: بين الموت والحياة

أولاً: الموت

فى العهد القديم – قبل الفداء – كان الموت مخيفاً، بل مرعباً جداً، ويحاول الإنسان أن يهرب منه. بل وصل الأمر إلى الملك حزقيا أنه انسكب أمام الله وتضرع إلى الله أن يطيل عمره لسنوات فأجابه الله.

ولكن لماذا كان الموت مخيفاً فى العهد القديم؟ أولاً: لأنه كان مجهولاً فيما سوف يراه الإنسان أو يواجهه بعد موته. إلى أين سوف يذهب؟ وماذا سيواجه؟ وأين هو مكان الهاوية أو الجحيم الذى كان يجمع كل الأرواح معاً، وأين ذهب جماعة قورح ومن معه الذين فتحت الأرض فاها وانشقت وابتلعتهم!! نعم كان الموت مخيفاً لأننا نجهل المصير، وكان الموت مخيفاً لأنه لم يوجد من يساعدنا ويسندنا ويقودنا فى طريق الموت.

هذا هو الموت المادى أى انفصال الروح عن الجسد ونزول الجسد إلى التراب، وذهاب الروح إلى الهاوية، حيث يُجمع جميع الأرواح مكان واحد (الهاوية – الجحيم). ولكن هناك موت آخر تحدث عنه سفر المزامير ألا وهو موت الأهوال، أو موت الشدائد والمحن والمصائب. حيث يكون الإنسان فى حكم الميت لشدة المصائب والمحن والضيقات والحروب.

أما الموت الثالث فهو انفصال الإنسان عن الله انفصالاً أدبياً ومعنوياً. فيتحدث الإنسان وكأنه يتحدث مع نفسه، ويطلب الله وكأنه غير موجود!! هنا نقول أن الموت هو انفصال الإنسان عن الله ليس بسبب الله ولكن بسبب خطية الإنسان وعدم توبته!!

وقد واجه داود النبى هذه الأنواع الثلاث من الموت. موت الجسد وموت الشدائد، وموت الروح. وله تضرعات إلى الله. فيما يتعلق بموت الجسد، كان يصلى إلى الله لكى يمنحه حياة أبدية معه. وفما يتعلق بموت الشدائد والأهوال فكان يطلب صحبة الرب معه حتى لا يخاف، أما بالنسبة لموت الروح فقد اجتاز أكبر مشكلة فى حياته، حين سقط فى خطية الزنا والقتل، فكان يصلى إلى الله دائماً طالباً الغفران والصفح والصلح. وها نحن نطوف مع مزامير داود النبى لنلمح هذه الأنواع الثلاث من الموت (موت الجسد – موت الشدائد – موت الروح).

1 - موت الجسد (انفصال الروح عن الجسد):

وهذا هو ما نسميه بالموت المادى والموت الحسى. ولقد أحس به داود النبى فتحدث كثيراً عن الغربة. ولكنه فى نفس الوقت رأى موت الرب على الصليب وسمع صوت المخلص حين تمم الفداء والخلاص فصرخ قائلاً:

  • فى يدك أستودع روحى (مز 31: 5).

وقد اختبر حياة الشركة معم الله طوال غربته حتى تنتهى حياته من غربة هذا العالم فقال:

  • هو يهدينا حتى إلى الموت (مز 48: 14).

وطالما كان داود المرنم يفكر فى الموت والغربة فكان يرفض مجد هذا العالم الزائل فقال:

  • لا تخشى إذا استغنى إنسان إذا زاد مجد بيته. لأنه عند موته كله لا يأخذ. لا ينزل وراءه مجده (مز 49: 16 - 17).

وهكذا أصبح الموت حقيقة تدخل فى كيان الإنسان ووجدانه وذلك لكى يستعد للأبدية:

  • أفنينا سنيناً كقصةز أيام سنينا هى سبعون سنة. وإن كانت مع القوة فثمانون سنة وأفخرها تعب وبليه. لأنها تقرض سريعاً (بالموت) فنطير (مز 90: 9 - 10).
  • أى إنسان يحيا ولا يرى الموت؟ أى ينجى نفسه من يد الهاوية (مز 89: 48).

2 - موت الشدائد:

الأهوال والمصائب والكوارث والمحن التى يواجهها الإنسان، مثل الفيضانات والزلازل والحوادث التى يواجهها الإنسان ولها عنصر المفاجأة، وتحمل فى طياتها إمكانية الموت المفاجئ:

  • وأهوال الموت سقطت علىّ (مز 55: 4).
  • بين الأموات فراشى مثل القتلى المضجعين فى القبر (مز 88: 5).
  • إكتنفتنى حبال الموت. وسيول الهلاك أفزعتنى. حبال الهاوية حاقت بى. أشراك الموت انتشبت بى (مز 18: 4 - 5).

ووسط هذه الأهوال والشدائد رأى دانيال الرب وسط الأسود، ورأى الثلاثة فتية الرب وسط النيران. ورأى داود فى مزاميره يد الرب تمسك به وتنتشله وتنجيه:

  • لأنك نجيت نفسى من الموت. نعم ورجلىّ من الزلق. لكى أسير قدام الله فى نور الأحياء (مز 56: 13).
  • يا رب أصعدت من الهاوية نفىس. احييتنىمن بين الهابطين فى الجب (مز 30: 3).
  • "هو ذا عين الرب على خائفيه الراجين رحمته. لينجى من الموت أنفسهم وليستحييهم فى الجوع (33: 18 - 19).

ولعل الشدائد والأهوال هى ظل الموت الذى قال عنه المرنم:

  • وإن سرت فى وادى ظلال الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معى (مز 23: 4).

3 - الموت الروحى:

الموت الروحى هو انفصال الإنسان عن الله بسبب خطية الإنسان ونجاسته. وهنا يصرخ المرنم لكى يأخذ حياة من الله يبدد بها هذا الموت:

  • لصقت بالتراب نفسى. فأحينى حسب كلمتك (مز 119: 25).
  • حول عينىّ عن النظر إلى الباطل. فى طريقك احيينى (مز 119: 37).
  • أحسن إلى عبدك فأحيا وأحفظ أمرك (مز 119: 17).

ولأن المزمور 119 هو مزمور كلمة الله، فإن كلمة الحياة أو طلب الحياة متكررة كثيراً. وهذا معناه أن كلمة الله تحوى حياة. والموت الذى يجتازه الإنسان فى الانفصال عن الله، يرجع إليه مع التوبة والاعتراف والقراءة المستمرة فى كلمة الله.

ثانياً: الحياة

  • حياة سألك فأعطيته (مز 21: 4).

الحياة تشمل ثلاث معانى:

المعنى الأول هو الحياة المادية من مأكل وملبس ومشرب وكل ما هو ملموس ومحسوس. والمعنى الثانى هو الحياة مع الله والشركة معه. والمعنى الثالث هو الحياة الأبدية.

1 - الحياة المادية:

  • الأشبال احتاجت وجاعت وأما طالبو الرب فلا يعوزهم شئ من الخير (مز 34: 10).
  • القليل الذى للصديق خير من ثروة أشرار كثيرين (مز 37: 16).
  • أيضاً كنت فتى وقد شخت، ولم أرى صديقاً تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزاً. اليوم كله يتراءف ويقرض ونسله للبركة (مز 37: 25 - 26).
  • إذا زاد الغنى فلا تضعوا عليه قلباً (مز62: 10).

الإنسان الذى يحيا مع الله، ويستعد للأبدية، لا ينشغل قط بأمور هذه الحياة الفانية. موضوع المأكل والمشرب والملبس والسكن والوظيفة وكل الأمور المادية هى أمور لا تستحق أن تأخذ من تفكيرنا أو من حبنا أو من انشغالنا.

هى أمور متروكة لله يدبرها حسبما يشاء. إذا أعطى فلنشكر ونعطى الآخرين، وإذا لم يعطى فنحن نشكر ونحيا فى حدود الإمكانيات. الرضى والشكر والبركة هى شعارنا فى هذه الأمور المادية. ولذلك فإن الحياة ليست هى الأكل والشرب والزواج حسب قول الرب يسوع:

  • لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ (مت 5: 25).

فإذا كانت الحياة ليست هى الأكل والشرب والملبس والزواج، فما هى الحياة إذن؟

2 - الحياة هى الشركة مع الله:

  • تعرفنى سبل الحياة (مز 16: 11).
  • لا أموت (أى لا أنفصل عن الله) بل أحيا وأحدث بأعمال الرب (مز 118: 17).

إن الحياة الحقيقية هى سريان شريان الحب من الله إلينا. خلال الصلاة، وخلال الإنجيل، وخلال الأسرار المقدسة، تسرى الحياة الإلهية فينا. نحن بدون الله لا حياة فينا. ولذلك اختبر الرسول بولس حين قال:

  • لى الحياة هى المسيح.. (فى 1: 21).

وإذا كان المسيح هو الحياة فإن الشركة معه والاتحاد به هو سريان حياة المسيح إلينا. نحن نحيا فى المسيح، ونحيا مع المسيح ونحيا لأجل المسيح وهذا ما اختبره الرسول بولس حين قال:

  • إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن (رو 14: 8).

ويقول الرب لملاك كنيسة سادرس:

  • أنا عارف أعمالك، إن لك اسماً أنك حى وأنت ميت (رؤ 3: 1).

وهكذا فإن الحياة هى الشركة والاتحاد مع الرب، الذى يقودنا للحياة الأبدية.

3 - الحياة الأبدية:

  • تحيا قلوبكم إلى الأبد (مز 22: 21).
  • حياة سألك فأعطيته طول الأيام إلى الدهر والأبد (مز 21: 4).
  • وقد أقمتنى قدامك إلى الأبد (مز 41: 12).

إن الحياة الأبدية كانت فى العهد القديم لغزاً، ولكن الأنبياء تنبئوا عنها وبالإيمان ذاقوا حلاوتها، إلى أن جاء الرب يسوع المسيح وكشفها لنا. ومسك أيدينا وقادنا للدخول فيها. والمزامير هى تسبحة من تسابيح الأبدية، خلالها نشهد حلاوة الرؤيا للملكوت ونشاهد بعض من مشاهد الأبدية ولذلك فإن التسبيح والحب هما عمل الملكوت أو بمعنى آخر هو عملنا فى الملكوت. ولذلك فإن تسبيح المزامير هو تدريب وإعداد للحياة فى الملكوت.

ولك من لم يذق تسبيح المزامير أو صلاة الأجبية فلن يفتح له باب الرؤية والمشاهدة لمناظر الملكوت.

ان الملكوت ليس فى المستقبل ولكن هنا نحن نرى ونعاين ونذوق ونلمس، إلى أن تنتهى غربتنا فنكمل إيماننا بالعيان والحب والتسبيح الذى لا ينتهى!!



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

الفصل الخامس عشر : بين التأرجح والثبات

الفصل الثالث عشر: بين الأنكسار والتكريس

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات