الفصل الثالث عشر: بين الأنكسار والتكريس

هذا الفصل هو جزء من كتاب: المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج – القمص أشعياء ميخائيل. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الثالث عشر: بين الأنكسار والتكريس

  • اليوم كله خجلى أمامى، وخزى وجهى قد غطانى، من صوت المعير والشتائم. من وجه عدو ومنتقم (مز 44: 16).
  • لأنى من أجلك احتملت العار. غطى الخجل وجهى (مز 69: 7).

انكسار نفس الإنسان، حين يشعر بالقهر من الآخرين، حين يجتاز الهزيمة أمام عنف الإنسان وقسوته، حين يُشتم الإنسان ولا يستطيع أن يرد، وحين يهان ويرذل ولا يكون أمامه سوى القبول، وحين يطرد وينبذ ولا يكون له حتى مجرد رأى. ألم يصف أشعياء النبى الرب يسوع وهو حامل صليبه حين قال عنه:

  • محتقر ومخذول من الناس! رجل أوجاع ومختبر الحزن!! محتقر فلم نعتد به!! (أش 53: 3).
  • ظلم أما هو فتذلل!! ولم يفتح فاه!! كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامته أمام جازيها فلم يفتح فاه!! (أش 53: 7).

إن هذا الانكسار لن يشعر به أو يتخيله إلا من ذاقه. ونحن نذوق هذا الانكسار كمشاركة بسيطة فى آلام الرب وصليب الحب!!

ولن يعزينا فى وقت انكسارنا إلا نظرة إلى صليب الرب يسوع المسيح!!

وقد يسمح الرب فى خدمتنا وكرازتنا بأن نذوق هذا الانكسار من الناس أو من الأشرار المحيطين بنا، وأحياناً من أولادنا. لقد ذاق داود النبى هذا الانكسار من ابنه ابشالوم ومن آخرين مثل أخيتوفل ومن الرعية مثل شمعى بن جيرا الذى كان يسبه ويشتمه ولم ينتقم منه بل قال للآخرين الذين أرادوا أن ينتقموا منه.

  • دعوه يَسُب (يشتم) لأن الرب قال له. لعل الرب ينظر إلى مذلتى ويكافئنى الرب خيراً عوض مسَبّته (شتيمته) بهذا اليوم (2صم 16: 11 - 12).

ولقد اختبر داود النبى هذا الانكسار وذاقه، ولكن كافئه الرب بمشاعر أخرى رفعته من الانكسار إلى التكريس.

وها نحن نطوف بين دفتى سفر المزامير لنذوق مع المرنم داود مشاعر التكريس بعد أن ذقنا مشاعر الانكسار.

ونصيحتى لكل من يذوق مشاعر الانكسار النفسى أن يقرأ سفر المزامير قراءة خاصة لكى تسنده النعمة وتقوده من الانكسار إلى التكريس، وعندئذ نسبح الرب ونشكره وتتغير نفسياتنا من المذلة والمهانة إلى أن يرفع رأسنا ويجعل رأسنا على صدره فنذوق حنانه وحبه ونؤكد تكريسنا له بالتمام.

أولاً: الأنكسار

  • وضعوا علىّ شراً بدل خيراً، وبغضاً بدل حبى (مز 109: 5).
  • فإنى فقير ومسكين أنا وقلبى مجروح فى داخلى (مز 109: 22).
  • الرب مجرى العدل والقضاء لجميع المظلومين (مز 103: 6).
  • المقيم المسكين من التراب، الرافع البائس من المزبلة، ليجلسه مع أشراف، مع أشراف شعبه (مز 113: 7 - 8).
  • تذللت فخلصنى (مز 116: 6).
  • الرب عن يمينك يحطم فى يوم رجزه ملوكاً. يدين بين الأمم. ملأ جثثاً أرضاً واسعة سحق رؤوسها. من النهر يشرب فى الطريق لذلك يرفع الرأس (مز 110: 5 - 7).
  • أنا تذللت جداً (مز 116: 10).
  • لأنى من أجلك احتملت العار. غطى الخجل وجهى (مز 69: 7).
  • أنت عرفت عارى وخزى وخجلى... العار قد كسر قلبى فمرضت (مز 69: 19 - 20).
  • اليوم كله خجلى أمامى، وخزى وجهى قد غطانى، من صوت المُعّير والشاتم. من وجه عدو ومنتقم. هذا كله جاء علينا (مز 44: 16 - 17).
  • أنا مسكين ومسّلم الروح منذ صباى (مز 88: 15) تميل اذنك لحق اليتيم والمنسحق، لكى لا يعود أيضاً يرعبهم إنسان من الأرض (مز 10: 17 - 18).

إن أهم ما فى الأمر ألا يكون هذا الانكسار بسبب خطية سقطنا فيها أو بسبب كبرياء ملأ قلوبنا. وذلك حتى نستطيع أن نشارك بانسكارنا فى صليب الرب فيرفعنا من الانكسار إلى التكريس:

  • لأن هذا فضل، إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم. لأنه أى مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون. بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون فهذا فضل عند الله لأنكم لهذا دعيتم. فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته (1بط 2: 19 - 21).

وهنا يقود القديس بطرس الرسول أولئك المنكسرين – بشرط ألا يكونوا مخطئين – إلى المسيح المتألم على الصليب لكى نتبع خطواته.

ولا يشفى انكسارنا شكوى إلى الناس، ولا عاطفة من المحبين، ولا وعد من الرؤساء، ولكن يشفينا فقط وقت انكسارنا نظرة إلى صليب الرب.

أما دموعنا وقت انكسارنا فإنها محسوبة عند الرب، وغالية جداً وثمينة للغاية. وسجودنا حتى تصل هاماتنا إلى التراب فهى التى تحنن قلب الرب نحونا لكى يرفعنا من التراب الذى نحن ساجدين ومتلامسين معه ليجلسنا مع القديسين فى حضرة الرب.

وليست الدموع والمطانيات وقراءة سفر المزامير هى كافية لشفاء نفوسنا من هذا الانكسار، بل شركة مع جسد الرب المكسور من أجلنا، وارتشاف من دم الرب المسفوك عنا هو الذى يشفينا.

نحن وقت انكسارنا لا نستجدى عطف الناس لئلا نحرم من عطف الله وحنانه، ولا ننشغل بشكوانا للناس لئلا تغيب الرؤيا الحلوة لصليب الرب. ربما يشفق علينا الناس وقت انكسارنا ولكن لنهرب إلى الطبيعة حيث فعل الرب يسوع حين ذهب إلى بستان جثيمانى، وقت حزنه وانكساره حين حمل على كتفيه خطايا البشرية بأكملها!!

فى الطبيعة نحن نرى يسوع فى جثيمانى راكعاً يصلى!! ودموعه تنساب وعرقه يتصبب – فى عز شتاء فلسطين القارس – كقطرات الدم!!

هنا وهنا فقط نتعلم سر الصلاة، حيث نكتشف سر الصليب. وعندئذ يقودنا الرب ويقودنا انكسارنا – خلال الصلاة والدموع – إلى التكريس الكامل للرب. حيث يزهد الإنسان المنكسر فى المديح والمجد الباطل وكل ماهو مرئى وكل ما هو زائل، وفى وقت انكسارنا ربما ننعزل عن الناس فترة أو برهة من الزمن، لئلا يظنوا فينا شيئاً أو يرونا فى ضعفنا. ولكن لا يهمنا رأى الناس فى ضعفنا. لقد استعلن صليب الرب يسوع المسيح للقديس بولس وقت انكساره فى الخدمة حين قال:

  • بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله!! فى صبر كثير!! فى شدائد!! فى ضرورات!! فى ضيقات!! فى ضربات (أى أنه كان يُضرب من الناس)!! فى سجون!! فى اضطرابات!! فى أتعاب (جمع تعب)!! فى أسهار!! فى أصوام (إرادية أو غير ارادية بمعنى الجوع والفقر والعوز)!!... بمجد وهوان!! بصيت ردئ وصيت حسن (2كو 6: 4 - 10).

أما الرب يسوع المسيح الذى استعلن للرسول بولس وقت انكساره فى الخدمة فهو هكذا:

  • لأن جهالة الله (الصليب) أحكم من الناس! وضعف الله (فى الصليب أيضاً) أقوى من الناس (1كو 1: 25).

ولذلك قبل الرسول بولس أن يكون ضعيفاً ومنكسراً بلا كرامة لكى تظل رؤية صليب الرب يسوع المسيح منيرة له طوال مسيرته ولذلك يقول:

  • نحن ضعفاء وأما أنتم فأقوياء!! أنتم مكرمون وأما نحن فبلا كرامة!!... صرنا كاقذار العالم ووسخ كل شئ إلى الآن (1كو 4: 10 و12).

أى انكسار هذا الذى يقوله الخادم عن نفسه:

انه ضعيف، وبلا كرامة، وصار محتقر ومرذول ومُداس من أرجل الناس وكأنه زبالة (أقذار ووسخ).

ولكن..

من تحت أقدام الناس الذين يدوسوننا!!

ومن بين أصوات الذين يتطاولون علينا بألسنتهم شاتمين إيانا. نحن نرى مع اسطفانوس حين كان يرجم:

  • ها أنا أنظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائماً عن يمين الله (أع 7: 56).

وهناك أقوى من الرجم بالحجارة وهى الرجم بالشتائم والافتراءات!! ولكن ها هى وعود الرب للنفوس المكسورة:

  • لا يرجعن المنسحق خازياً. الفقير والبائس ليسبحا اسمك (مز 74: 21).
  • الرب مجرى العدل والقضاء لجميع المظلومين (مز 103: 6).
  • الله هو القاضى. هذا يضعه وهذا يرفعه (مز 75: 7).
  • ويكون الرب ملجأ للمنسحق. ملجأ فى أزمنة الضيق (مز 8: 9).
  • الرب يشفى المنكسرى القلوب، ويجبر جميع كسرهم (مز 147: 3).
  • وتبيد كل مضايقى نفسى، لأنى أنا عبدك (مز 143: 12).
  • قريب هو الرب من المنكسرى القلوب ويخلص المنسحقى الروح (مز 34: 18).
  • ذبائح الله هى روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره (مز 51: 17).

وأخيراً يكفينا نظرة الله إلينا، نظرة الحب والحنان والشفقة والطمأنينة:

  • عيناه تراقبان المسكين (مز 10: 8).

وها هى صلوات القديسين عن المساكين المنكسرين:

  • قم يا رب. يا الله ارفع يدك. لا تنسى المساكين (مز 10: 12).

ولا يفوتنا قط أن الشيطان هو الذى يهيج الناس ضدنا ولذلك لا نحمل فى قلوبنا أى مشاعر كراهية نحو هؤلاء الذين هم سبب فى انكسارنا بل نحبهم ونصلى لأجلهم ونشتاق لخلاصهم وفى قلوبنا سلام وحب لهم جميعاً!!

ثم نجول مع المرنم داود لكى نأخذ اختباراً جديداً بعد معاينة صليب الرب المضئ والمعزى لنا.. ذلك هو اختيار التكريس.

ثانياً: التكريس

  • المستقيمون يجلسون فى حضرتك (مز 140: 13).
  • استيقظت وأنا بعد معك (مز 139: 18).
  • التصقت نفسى بك (مز 63: 8).
  • أما أنا (وقت انكسارى) فلاقتراب إلى الله حسن لى (مز 73: 28).
  • التصقت نفسى بك (وقت انكسارى) يمينك تعضدنى (مز63: 28).
  • يداك صنعتانى وأنشأتانى (مز 119: 73).
  • هذا قد علمته لأن الله لى (مز 56: 9).
  • أما أنا فمثل زيتونة خضراء فى بيت الله (مز 52: 8).
  • هذا كله جاء علينا (الشتائم والتعيرات)، وما نسيناك ولا خُنّا عهدك. لم يرتد قلبنا إلى وراء. ولا مالت خطواتنا عن طريقك (مز 44: 17 - 18).
  • عطفت قلبى لأصنع فرائضك إلى الدهر إلى النهاية (مز 119: 112).
  • وأقمتنى قدامك إلى الأبد (مز 41: 12).
  • لأن الله هذا هو إلهنا إلى الدهر والأبد (مز 48: 14).
  • هلم نسجد ونركع ونجثو أمام الرب خالقنا، لأنه هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده (مز 95: 6 - 7).
  • تمسكت خطواتى بآثارك... (مز 17: 5).
  • جعلت الرب أمامى فى كل حين لأنه عن يمينى (مز 16: 8).
  • طوبى للذى تختاره وتقربه ليسكن فى ديارك. لتشبعه من خير بيتك. قدس فى هيكلك (مز 65: 4).

إن التكريس هو تخصيص نفوسنا للرب يسوع المسيح. نصير له وهو يصير لنا حسب قول المزمور:

  • اعلموا أن الرب هو الهنا. هو صنعنا وليس نحن، ونحن شعبه وغنم رعيته (مز 100: 3).

وليس التكريس تغييراً فى الملبس (ملابس سوداء أو ملابس تكريس أخرى) أو تغييراً فى الأسماء، ولكن التكريس هو تغيير مسارنا بحيث نتجه بالتمام إلى الملكوت خلال شخص الرب يسوع فنقول مع المرنم:

  • من لى فى السماء؟ ومعك لا أريد شيئاً فى الأرض (مز 73: 25).

هنا يكون التكريس هو استعداد الإنسان فى أى لحظة أن يقبل الانفصال التام عن الجسد وعن العالم لكى يبدأ ملكوته وأبديته، فالتكريس هو تقديس الإنسان خلال عمل الروح القدس لكى يحيا حسب مشيئة الرب فى كل خطوة من خطواته.

والتكريس يزداد قوة وثباتاً مع الضيق والألم. فلا يثبتنا فى صليب الرب غير الضيق والألم. ولا يؤكد تكريسنا غير رفض كل مجد باطل وكل مديح وكل شهوة زائلة وكل خطية مهما كانت تافهة!!



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

الفصل الرابع عشر: بين الموت والحياة

الفصل الثانى عشر : بين الضعف والقوة

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات