الفصل الحادى عشر : بين الترك والرجوع

هذا الفصل هو جزء من كتاب: المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج – القمص أشعياء ميخائيل. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الحادى عشر: بين الترك والرجوع

أولاً: الترك

  • حجب وجهك عنى فصرت مرتاعاً (مز 30: 7).
  • يا رب لماذا تقف بعيداً؟ لماذا تختفى فى أزمنة الضيق (مز 10: 1).
  • قال فى قلبه إن الله قد نسى. حجب وجهه. لا يرى إلى الأبد (مز 10: 11).
  • إلى متى يا رب تنسانى كل النسيان؟ إلى متى تحجب وجهك عنى (مز 13: 1).
  • لا تطرحنى من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه منى (مز 51: 11).
  • إلهى إلهى لماذا تركتنى بعيداً عن خلاصى، عن كلام زفيرى، إلهى فى الليل أدعو فلا تستجيب، فى الليل أدعو فلا هدوء لى (مز 22: 1 - 2).
  • اما أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر (من) الشعب. كل الذين يروننى يستهزئون بى. يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين اتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سر به (مز 22: 6 - 8).
  • إن أبى وأمى قد تركانى والرب بضمنى (مز 27: 10).
  • فنيت روحى. لا تحجب وجهك عنى فأشابه الهابطين فى الجب (مز 143: 7).
  • وضعتنى فى الجب الأسفل، فى ظلمات، فى أعماق (مز 88: 6).
  • حتى متى يا رب تختبئ كل الاختباء (مز 89: 4).
  • لا تحجب وجهك عن عبدك. لأن لى ضيقاً. استجب سريعاً (مز 69: 17).
  • يا صخرتى لا تتصامم من جهتى لئلا تسكت عنى فأشابه الهابطين فى الجب (مز 28: 1).
  • ... لماذا رفضتنى (مز 43: 2).

انها مشاعر تهزنا هزأ، وتجعلنا فى احساس بالضعف الذى لا يدانيه أى ضعف. تلك هى مشاعرالترك. حيث يشعر الإنسان أن الله تركه فكيف يواجه العواصف والأمواج والريح. إنه احساس بالوحدة والتخلى. ولكن هناك نوعين من الترك، أحدهما ترك حقيقى والآخر ترك تدريبى:

1 - الترك الحقيقى:

حيث يتركنا الله بسبب الخطية التى نحن ساقطين فيها بنوع من البلادة والاستكانة وعدم الاحساس بأننا نسير فى طريق خاطئ. انها نتيجة من نتائج الخطية حيث نطرح من حضرة الله، ونفقد الإحساس بوجود الله. أليس هذا هو ما قاله يشوع للشعب:

  • لا تقدرون ان تعبدوا الرب لأنه إله قدوس وإله غيور هو... وإذا تركتم الرب وعبدتم إلهة غريبة يرجع فيسئ إليكم ويفنيكم بعد أن أحسن إليكم (يش 24: 29).

هنا تكون الإلهة الغريبة التى يعبدها الإنسان هى السبب فى ترك الله. وما هذه الإلهة الغريبة إلا الخطايا والشهوات التى تبعدنا عن الشركة والحضرة الإلهية.

وإذا شعر الإنسان بهذا الترك فليطع قول يشوع للشعب:

  • فالآن انزعوا الإلهة الغريبة التى فى وسطكم وأميلوا قلوبكم إلى الرب إله إسرائيل (يش 24: 23).

إن الترك هو دعوة للتفتيش عن الإلهة الغريبة، والتوبة عن كل خطية مهما صغرت فى نظرنا. وحسب قول الرسول بولس:

  • فإن طهر أحد نفسه من هذه. يكون إناء للكرامة، مقدساً، نافعاً للسيد، مستعداً لكل عمل صالح (2تى 2: 21).

ولكن هناك نوع آخر من الترك نسميه الترك التدريبى:

2 - الترك التدريبى:

وهنا يدربنا الله على الجهاد والصراع معه والصراخ إليه وطلبه والاستماتة فى الطلب حتى يشرق الرب وجهه علينا. مثل الأم التى تمسك بيد طفلها لتدربه على المشى، ثم تتركه حتى يخطو بمفرده خطوات وتقوى عضلاته فيسير ويعيشز.

وهذا هو ما حدث مع الرب يسوع حين كان نائماً فى مؤخرة السفينة. وخُيل للتلاميذ أنه قد تركهم ولكن هم صرخوا متأكدين من وجوده. فلم يكن النوم تركا بل تدريباً على النضج الروحى والصراخ إلى الرب فيسندهم ويباركهم ويأمر الريح والأمواج لتسكت وتهدأ (مت 8: 23 - 27).

إنه ليس نواماً ولا تركاً بل هو تدريب على الإيمان العملى وعدم الخوف.

ثانياً: الوعود

  • لأنك لن تترك نفسى فى الهاوية لن تدع تقيك يرى فساداً (مز 16: 10).
  • الرب قريب لكل الذين يدعونه، الذين يدعونه بالحق (مز 145: 18).
  • لأنه لم يحتقر ولم يرذل مسكنه المسكين ولم يحجب وجهه عنه (مز 22: 24).
  • ويتكل عليك العارفون اسمك. لأنك لم تترك طالبيك يا رب (مز 9: 10).
  • ير نفسى يهدينى إلى سبل البر من أجل اسمه (مز 23: 3).

إن الوعود الإلهية هى القوة التى يتشدد بها الإنسان فى وقت الضعف والترك. والوعد الأكيد هو الذى نطق به الرب قبل صعوده إلى السماء:

  • وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر (مت 28: 20).

إن وعد وجود الله معنا هو الوعد الأكيد الذى نتمسك به حيث ثار اسم الله فى عهد النعمة هو:

  • عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا (مت 1: 23).

والتفسير ليس بالكلام والوعظ ولكن بالإيمان والاختبار، إن الله معنا حتى لو ساد الشعور بالترك.

إن مواعيد الله تحتاج أن نقول لها آمين.

ومعنى كلمة آمين هو حقاً نحن نصدق ونؤمن. لذلك نريد أن مشاعرنا تتحول من الإحساس بالترك إلى الإيمان بمواعيد الله. وخلال ابوة الله نحن نتقبل هذه المواعيد:

  • لأن الذى وعد هو أمين (عب 10: 23).

إن أبطال العهد القديم لم ينالوا المواعيد، أما نحن فإننا فى المسيح يسوع ننال المواعيد:

  • فى الإيمان مات هؤلاء أجمعون (أبرار العهد القديم) وهم لم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها (عب 11: 13).
  • لأن مهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم وفيه الآمين لمجد الله بواسطتنا (2كو 1: 20).

هناك بعض المواعيد تستطيع أن تقبلها أو ترفضها أى فيها نعم ولا. وهذا هو موضوع الخلاص الذى ممكن للإنسان ان يرفضه أو يقبله:

  • لأن ابن الله يسوع المسيسح الذى كرز به بينكم بواسطتنا لم يكن نعم ولا بل كان فيه نعم (1كو 1: 19).

أى أنهم قبلوا الخلاص ولم يرفضوه. ثم بعد قبول الخلاص فى المسيح خلال الأسرار تبقى المواعيد الأخرى الخاصة بعمل الله معنا وصحبته إيانا ورفقته لنا فيه "الآمين" أى التصديق والإيمان والقبول.

ولكن هذه المواعيد التى نقول فيها آمين أى حقاً نؤمن ونصدق تحتاج منا إلى صلاة ودعاء.

ثالثاً: الصلاة والدعاء

  • يا الله ارجعنا وأنر بوجهك فنخلص (مز 80: 3).
  • لا تحجب وجهكعن عبدك، لأن لى ضيقاً. استجب لى سريعاً. اقترب إلى نفسى. فكها (مز 69: 17 - 18).
  • لا ترفضنى عند زمن الشيخوخة. لا تتركنى عند فناء قوتى... وأيضاً إلى الشيخوخة والشيب يا الله لا تتركنى، حتى أخبر بذراعك الجيل المقبل، وبقوتك كل آت (مز 71: 9 و18).
  • قد رأيت يا رب، لا تسكت. يا سيد لا تبعد عنى استيقظ وانتبه إلى حكمى. اقضى لى حسب عدلك يا رب وإلهى فلا يشمتوا بى... ولا يقولون قد ابتلعناه (مز 35: 22 - 25).
  • وأنا قلت فى حيرتى: إنى قد انقطعت من قدام عينيك ولكنك سمعت صوت تضرعى إذ صرخت غليك (مز 31: 22).
  • أما انت يا رب فلا تبعد (مز 22: 19).
  • وصاياك أحفظ فلا تتركنى إلى الغابة (مز 119: 8).
  • لا تحجب وجهك عنى. لا تخيب بسخط عبدك. قد كنت عونى فلا ترفضنى ولا تتركنى يا إله خلاصى (مز 27: 9).
  • استيقظ! لماذا تتفانى يا رب؟ انتبه لا ترفض إلى الأبد لماذا تحجب وجهك وتنسى مذلتنا وضيقنا (مز 44: 23 - 24).
  • يا رب استمع صلاتى، وليدخل إليك صراخى. لا تحجب وجهك عنى فى يوم ضيقى. أمل إلىّ أذنك فى يوم أدعوك استجب لى سريعاً (مز 102: 1 - 2).
  • عد يا رب نج نفسى. خلصنى من أجل رحمتك (مز 4: 6).

إن الذى ذاق مشاعر الترك، سواء كان تركاً حقيقياً أو تركاً تدريبياً، والذى ذاق مواعيد الله وصدقها وآمن بها، ما عليه إلا أن يصرخ ويطلب من الله فيعطيه ويستجيب لطلبه وصراخه.

وما هذا الصراخ والطلب إلا الصلاة لكى لا يحجب الرب وجهه عنا، أو بمعنى آخر ان يرجع الأمان والطمأنينة والثقة بوجود الرب. تلك هى المعية الإلهية للإنسان التى تحتاج إلى صراخ. ولا شك أن الطفل الذى يتعلم المشى حين يبدأ فى التعثر والوقوع وحين يبكى ويصرخ سوف يجد أمه تلتقط يديه بسرعة وتحتضنه لكى تؤكد له أنها موجودة بالقرب منه.

وفى وقت الإحساس بالترك علينا بمضاعفة الصراخ ومضاعفة الصلاة، والتركيز على طلب واحد فقط هو الإحساس بوجود الرب معنا والعلامة هى السلام الذى يستعيده الإنسان.

إن الموج والريح يسببان الخوف، والترك يسبب الاضطراب، ولكن عودة مسيرنا مع الرب مثل تلميذى عمواس سوف يعيد إلينا السلام والهدوء والطمأنينة!!

إنها مشاعر الترك، التى تقود إلى البحث عن مواعيد الله، ثم الصراخ والبكاء والطلب المستمر الذى لا يهدأ ولا يكف، وأخيراً استعلان الرب فى قلوبنا بالسلام العميق الذى نحصل عليه خلال وجود الرب بقوة وشدة، حين نتناولمن الافخارستيا سر جسد الرب ودمه، ومن القراءة فى الإنجيل، والصلاة التى تمتلئ بالصراخ والدموع والطلب.

لك المجد يا رب فى حضورك ورجوعك إلينا ورجوعنا إليك!!

رابعاً: الرجوع

  • أضئ بوجهك على عبدك خلصنى برحمتك (مز 31: 16).
  • الرب قريب لكل الذين يدعونه، الذين يدعونه بالحق (مز 145: 18).
  • من أجل اسمك تهدينى وتقودنى (مز 31: 3).
  • ارجع يا رب، حتى متى؟ وترآف على عبيد (مز 90: 13).

الرجوع هو رجوع الله للإنسان ورجوع الإنسان إلى الله. إنها تبادلية الحب. تبدأ من الله وتنتهى فى الله والإنسان هو إناء قبول الحب وقبول عمل النعمة فيه حتى يستريح فى الرجوع إلى الله. إنه قريب جداً إلينا ولكن هناك عوائق وفواصل، إذ نتوب عنها ونتطهر منها يستعلن الرب إلينا نوراً وحباً وسلاماً وطمأنينة. يهدينا ويقودنا إلى أحضان إليهة نستريح فيها ونتأكد من وعوده كما نتأكد من قبوله لصراخنا. إن رجوع الابن الضال إلى حنان الأبوة هو تأكيد لأبوة الله الذى ينتظرنا.

وفيما نحن نصرخ لله قائلين:

1 - يا رب تراءف علينا. إياك انتظرنا (أش 33: 2).

نسمع الصوت الإلهى يقول لنا:

2 - ولذلك ينتظر الرب ليتراءف عليكم (أش 30: 18).

هنا تتلاقى الإرادتين معاً. إرادة الله وإرادة الإنسان، وعندئذ يكون الاستعلان الإلهى لأبوة الله لنا وراحتنا وسلامنا فى الأحضان الأبوية... هنا وهنا فقط نستريح من مشاعر الترك ونتأكد من الحب الإلهى ونميز اقتراب الله إلينا حسب قول المرنم:

3 - جعلت الرب أمامى فى كل حين، لأنه عن يمينى فلا أتزعزع. لذلك فرح قلبى، وابتهجت روحى. جسدى أيضاً يسكن مطمئناً (مز 16: 8 - 9).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

الفصل الثانى عشر : بين الضعف والقوة

الفصل العاشر: بين الخزى والمجد

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات