الفصل الثامن: بين الدموع والتسبيح

هذا الفصل هو جزء من كتاب: المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج – القمص أشعياء ميخائيل. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الثامن: بين الدموع والتسبيح

أولاً: الدموع

  • تعبت فى تنهدى. أعّوم كل ليلة سريرى بدموعى. أذوب فراشى (مز 6: 6).
  • لأن الرب قد سمع صوت بكائى (مز 6: 8).
  • اجعل أنت دموعى فى زقك، أما هى فى سفرك (مز 56: 8).
  • وقد أكلت الرماد مثل الخبزن ومزجت شرابى بدموع (مز 102: 9).
  • كمن ينوح على أمة انحنيت حزناً (مز 35: 14).
  • عند المساء يبيت البكاء، وفى الصباح ترنم (مز 30: 5).
  • عابرين فى وادى البكاء يصيرونه ينبوعاً (مز 84: 6).

البكاء هو لغة تعامل، ولغة تواصل، يمارسه الطفل، كما يمارسه الرجل، وتمارسه المرأة أيضاً. ليس البكاء هو لغة الضعف، ولكن هو انفعال قوى وعميق يظهر فى دموع تنساق من المقلتين وتنزل لتروى الأرض الملعونة. ويتحنن قلب الله كما يتحنن قلب الأم من بكاء طفلها وضيعها. ولكن ماذا تعبر الدموع:

الدموع والألم:

مع الألم هناك الدموع، وكلما اشتد الألم كلما زادت الدموع. لقد بكى يسوع على قبر العازر، كما بكى على أورشليم وكلها مشاعر عن الألم. مع العازر كان يشارك مريم ومارثا، وعلى أورشليم كان يتألم لتمردها وعنادها ورفضها للخلاص.

الطفل يتألم فيبكى، والمريض يتألم ويبكى. ونحن نتألم فنحول آلامنا إلى بكاء ودموع. ولكن الله قد شاركنا فى الألم وبكى. بكى بكاءً مشاركة مع الألم، وبكاءً ألماً على مصير أورشليم. وها نحن نبكى مشاركة مع المتألمين.

ونبكى كما قال الرسول بولس على الذين أخطأوا ولم يتوبوا بعد!!

2 - البكاء والفقدان:

الطفل يبكى حين يفقد شيئاً ثميناً لديه. والرجل يبكى على فقدان زوجته أو أحد بنيه. والمرأة تبكى على فقدان زوجها. ونحننبكى على فقدان أمر هام يخص خلاصنا وأبديتنا!!

3 - البكاء والتوبة:

إن الدموع كثيراً ما نسكبها علامة على الشعور بالخطأ، والشعور بأننا أغضبنا الله وخالفنا وصاياهز ولذلك كانت الدموع علامة من علامات التوبة والرجوع إلى الله. وكثير من الآباء القديسين أمضوا حياتهم فى بكاء ودموع على حياتهم التى ضاعت بعيداً عن الله. ألم يبكى القديس أرسانيوس حتى صنعت الدموع طريقاً من العينين إلى الخدين على الوجه.

إنها دموع ثمينة عند الله، يقبلها بل ويحبها ويفرح بها ويعلن لنا حبه وحنانه نظير دموعنا التى نسكبها كتوبة على خطايانا التى تلطخنا بها.

4 - البكاء والانسحاق:

يصعب على الإنسان المتكبر أن يبكى!! ولكن المنسحق والمتواضح القلب يبكى دائماً وبسهولة انسحاقاً واتضاعاً داخلياً وخارحياً. إذا قرأ عن حياة القديس يشعر أنه لا شئ فيبكى اتضاعاً. وإذا سمع عن فضيلة فى شخص ما فإنه يبكى لأنه بعيد عن تلك الفضيلة. وكلما تواضع الإنسان كلما اقترب من الدموع!!

ونحن لا نجرى وراء الدموع ولا نطلبها فى حد ذاتها بل هى مشاعر تملأ قلوبنا فتحرك دموعنا!!

5 - البكاء والطلب بلجاجة:

هناك طلبات نطلبها من الله بلجاجة وثقة، ونعبر عن هذه الثقة وهذه اللجاجة بدموع ساخنة نسكبها أمام الله، وخصوصاً الطلبات الروحية الخاصة بخلاصنا أو بخلاص الآخرين. لقد كان الرسول بولس ينذر الخراف الضالة بدموع. وكأنه يتذلل أمام الله من أجل عودة هذه الخراف الضالة!!

إن الدموع هنا لغة الواثق.. ضعيف فى نظر الناس ولكن قوى فى نظر الله. ألم يقل الله لعروس النشيد انه قد غلب من عيونها ودموعها!!

6 - دموع الشوق والحنين:

قد تعبرعن شوقنا للأبدية وحنينا إلى الملكوت بدموع نقدمها لله. فالشوق ولاحنين يولد دموعاً نعبر بها عن المشاعر التى تملأنا للوصول!!!

7 - دموع الفرح:

قد يبكى الإنسان فرحاً، إنها أيضاً مشاعر ولكنها مشاعر الفرح. فرح النفس مع الرب قد تولد دموعاً نسكبها من أجل أن يجعلنا نبقى مدة فى حضرته ولا تلهينا هموم العالم الزائل!! نحن نفرح بالرب، ونفرح بالشركة معه ثم نذرف دموعاً ربما على أوقات مضت بعيداً عنه، وربما إحساساً بعدم استحقاقنا لصحبته، وربما خوفاً من ضعفات ترجعنا إلى الخلف!!

إيه أيتها الدموع، بك نعبر من هذا العالم لكى نستقر فى أحضان الرب ونذوق الأبدية وعندئذ نبدأ فى التسبيح لكى نتدرب على الأبدية هنا فى الغربة.

ثانياً: التسبيح

  • أحمد الرب حسب بره، وأرنم لاسم الرب العلى (مز 7: 17).
  • أيها الرب سيدنا، ما أمجد اسمك فى كل الأرض، حيث جعلت جلالك فوق السموات. من أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً (مز 8: 1 - 2).
  • أرنم لأسمك أيها العلى (مز 9: 2).
  • رنموا للرب الساكن فى صهيون. أخبروا بين الشعوب بأفعاله (مز 9: 11).
  • لذلك أحمد يا رب فى الأمم. وأرنم لاسمك برج خلاص لملكه (مز 18: 49 - 50).
  • نجنى من الدماء يا الله إله خلاصى فيسبح لسانى ببرك. يا رب افتح شفتى فيخبر فمى بتسبيحك (مز 51: 15).
  • نترنم بخلاصك (مز 20: 5).
  • يسبح الرب طالبوه (مز 22: 26).
  • فى الجماعات أبارك الرب (مز 26: 12).
  • من قلبك تسبيحى فى الجماعات العظيمة. أوفى بنذورى قدام خئفيه (مز 22: 25).

من الدموع إلى التسبيح، تقف نعمة الرب لتعمل فى القلب عملاً خفياً لترفع الإنسان بمشاعر صادقة عميقة نحو التلاميس مع الرب. نعم أنها أوقات زيارات النعمة وقت سكب الدموع والعزلة والتذلل.

هنا يكون الهدوء هو المناخ الروحى الذى تعمل فيه النعمة. ليس فقط الهدوء الداخلى بل وأيضاً الخارجى. حيث يحتاج الإنسان وقت الدموع أن ينسحب من وسط الناس والمشغوليات، ويركن إلى مكان هادئ حيث تستقبله النعمة لتعمل داخله وترفعه من الدموع إلى التسبيح:

1 - تسبيح الل خلال الطبيعة:

الطبيعة بكل ما فيها - المحيطات – البحار – الأنهار – الجبال – الزروع – الرعد – الزلازل – الفيضانات – الليل – النهار – الشمس والقمر والنجوم. كلها تدعونا لرؤية الله وتسبيحه على عظمته كخالق باهر ضابط الكل ومُسّير الطبيعة وضابط حدودها. ألا نصير مثل الطبيعة التى تخضع لأصابع الله التى تشكلها حيثما يريد الخالق الماهر.

نعم وسط الطبيعة نرفع قلوبنا بصلاة التسبيح، حيث نتلامس مع الله الخالق. هنا نترك دموعنا لنرى الله الخالق المدبر والمُسّير لهذا الكون وهذه الطبيعة وهذه المحيطات الهائلة الشاسعة التى وضع لها حدوداً لا تتخطاها.

إن الطبيعةمجال خصب للتأمل والتسبيح والصلاة. لذلك وقت دموعنا ليس أمامنا إلا بستان جثيمانى حيث الأشجار والخضرة والطبيعة والهدوء. هناك نلمس أصابع الله التى تسبغ جمالاً ونسقاً خاصاً لهذه الطبيعة. فنسبح الله ونسلم أنفسنا ليد الله لنكون مثل الطبيعة التى تفيض جمالاً وسيماً وسبحاً.

2 - تسبيح الله خلال أعماله:

أعمال الله فى التاريخ، واعمال الله مع الناس، وأعمال الله فى الكنيسة، وأعمال الله مع القديسين، وأعمال الله فى حياتنا نحن. كلها أمور نتأمل فيها فترفعنا لنسبح الله ونشكره. نعم التسبيح، والحمد والشكر متلازمان وكيف نشكر دون أن ندرك عمل الله فى التاريخ وفى حياتنا؟!

هذه الأعمال هى أعمال تبدو للبعض أنها أعمال عادية، ولكن الحقيقة أنها أعمال من صنع الله لا يستطيع الإنسان أن يصنعها أو يتجاهل صانعها ولذلك نحن نسبح الله على حفظه إيانا وعلى ستره ومعونته. ألا يعتبر حب الله هو المُسّير لكل عمل من الأعمال المحيطة بنا؟!!

3 - تسبيح الله على الخلاص الممنوح لنا:

الفداء والخلاص هو أكبر عمل إلهى قدمه الله للبشرية الساقطة!! ولماذا هذا الخلاص والفداء؟ أليس هو حب الله المقدم للبشرية الضعيفة؟ وماذا نفعل حيال هذا الخلاص؟ نأخذ ونفرح ونشكر ونسبح!! نعم إننا قد اشترينا بثمن فلنقدم مجداً لله وتسبيحاً لمن مات على الصليب!! ألم تقدم الملائكة تسبيحاً لخلاص الله المعطى للبشرية!! ألم تقدم الملائكة تسبيحاً من أجل ما رأوه أن رب الحياة يموت عن الخطاة!! نعم نحن نغنى نسبح الله من أجل مراحمه وغفرانه، من أجل صليبه وفدائه!!

هنا يكون التسبيح صلاة شكر وتمجيد لعمل الله الخلاص للبشرية المحتاجة إلى معونة الخلاص!!

ولكن ما هو التسبيح؟!

هو صلاة شكر، وصلاة حمد مقدمة لله!!

هو التغنى بأعمال الله وصفاته الفائقة!!

إن التسبيح هو رؤية الله خلال الخليقة!!

إن التسبيح هو عمل الملائكة وهو عملنا فى الأبدية!!

لذلك من يسبح الله يتشبه بالملائكة ويتدرب على الأبدية!!

نعم التسبيح هو عمل القديسين هنا وفى الأبدية!!

لنترك صلاة الطلب لفترة من الزمن ونبدأ فى صلاة التسبيح!!



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

الفصل التاسع : بين الصراخ والأستجابة

الفصل السابع: بين الألم والتأديب والتعزية

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات