(6)فى الأجبيَة صَلوَات وَمعهَا الإستجَابَة

(6) فى الأجبيَة صَلوَات وَمعهَا الإستجَابَة

إنها صلوات فيها صرخة المصلى، ومعها عمل الله من أجله. فيها الطلب، ومعه الاستجابة الفورية.

لذلك فهى صلوات تحمل روح الرجاء والفرح.

ولذلك أيضاً كثيراً ما تنتهى الطلبة بالشكر أو بالتهليل.

+ + +.

لا يشعر المصلى إنه واقف وحده يتكلم بدون مجيب. بل إن الرد يصله بسرعة من الله. فيدرك أن الله قد سمع، وقد قبل الصلاة، واستجابها. وهكذا يقول فى أحد مزامير الساعة السادسة:

"إنى أسمع ما يتكلم به الرب الإله" (مز84 [85]).

ويتابع كلامه فيقول "لأنه يتكلم بالسلام لشعبه ولقديسيه، وللذين رجعوا إليه بكل قلوبهم".. إنها صلاة ممزوجة بالإيمان، فيها يسمع المصلى – فى قلبه – ما يتكلم به الرب وما يمنحه من سلام، ليس فقط لقديسيه، وإنما أيضاً للذين رجعوا إليه بالتوبة.

+ + +.

  • مثال آخر جميل: فى صلاة باكر، فى المزمور الثالث: يبدأ المصلى بذكر متاعبه الكثيرة جداً فيقول "يارب لماذا كثر الذين يحزنوننى. كثيرون قاموا علىّ. كثيرون يقولون لى ليس له خلاص بإلهه". ولكنه يقول بعد ذلك:

"بصوتى إلى الرب صرخت، فاستجاب لى من جبل قدسه..".

إنه لا يقول: صرخت طالباً منه أن يستجيب لى. بل يقول فى ملىء الإيمان "صرخت.. فاستجاب لى". هذا عجب فى الحقيقة وهو فى نفس الوقت إيحاء للمصلى بالأجبية، ومنحه الثقة فى استجابة الرب له. وهكذا يقول بعد ذلك. "الرب هو ناصرى. فلا أخاف من ربوات الجموع المحيطين بى، القائمين علىّ".

وبينما يقول فى أول المزمور "كثيرون يقولون لى ليس له خلاص بإلهه" يختم المزمور بقوله "للرب الخلاص، وعلى شعبه بركته. هللويا".

+ + +.

  • نفس الوضع أيضاً فى المزمور الرابع (فى صلاة باكر)، من حيث الاعتراف باستجابة الله، إذ يبدأ الصلاة بقوله "إذ دعوت استجبت لى يا إله برى. فى الشدة فرّجت عنى". كما يذكر خبرته مع الله فيقول:
  • "الرب يستجيب لى، إذا ما صرخت إليه".

+ + +.

وهكذا يشعر بالفرح، ويلهج بالعرفان بالجميل، فيقول: قد أضاء علينا نور وجهك يارب. أعطيت سروراً لقلبى.. فبالسلامة أضطجع أيضاً وأنام. لأنك أنت وحدك أسكنتنى على الرجاء. هللويا ".

+ + +.

  • وما أعجب الفارق الكبير بين البداية والنهاية فى المزمور السادس:

[وهو أيضاً من مزامير صلاة باكر] يقول المصلى فى بدايته: "يارب لا تبكتنى بغضبك، ولا تؤدبنى بسخطك. ارحمنى يارب فإنى ضعيف. إشفنى فإن عظامى قد اضطربت، ونفسى قد انزعجت جداً. وأنت يارب فإلى متى؟ عد ونجّ نفسى..". وإذ يشعر بالإستجابة فى نفس المزمور، فإنه يقول:

"أبعدوا عنى يا جميع فاعلى الإثم. فإن الرب قد سمع صوت بكائى. الرب سمع تضرعى.. الرب لصلاتى قبل..".

وينهى صلاته بالتهليل، بعد أن كان يقول "أعوّم فى كل ليلة سريرى، وبدموعى أبلّ فراشى".

+ + +.

  • على أنه قد يقول المصلى طلبه فى مزمور. ومع استجابتها فى نفس المزمور، يجد لها استجابة ثانية فى مزمور آخر:

فهو فى المزمور الثالث يقول "قم يارب خلصنى يا إلهى". وفى المزمور 11 (12) يسمع صوت الرب يقول "من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين، الآن أقوم – يقول الرب – أصنع الخلاص علانية"..

لهذا يفرح بوعد الله، ويقول بعدها "كلام الرب كلام نقى. فضة محماة.. قد صفيت سبعة أضعاف". وبناء على وعد الرب، يقول له المصلى "أنت يارب تنجينا، وتحفظنا من هذا الجيل وإلى الدهر".

+ + +.

نفس الإستجابة، ونفس الفارق الكبير بين بداية المزمور ونهايته نجده فى مز12 (13) من مزامير صلاة باكر.

يبدأ المزمور بتعب شديد، يكاد يشعر فيه المصلى بتخلى الله عنه، "إلى متى يارب تنسانى؟ إلى الإنقضاء؟ حتى متى تحجب وجهك عنى؟ إلى متى أردد هذه المشورات فى نفسى وهذه الأوجاع فى قلبى النهار كله؟! إلى متى يرتفع عدوى علىّ؟! أنظر واستجب لى يا ربى وإلهى".

إذ يحس بالإستجابة يقول فى نفس المزمور:

"أما أنا فعلى رحمتك توكلت. يبتهج قلبى بخلاصك. أسبح الرب المحسن إلىّ، وأرتل لاسم الرب العلى، هللويا".

+ + +.

ما هذه البهجة بالخلاص، والشعور بإحسان الله إليه؟ ما هذا التسبيح والترتيل والتهليل، من إنسان بدأ صلاته بالتخلى وبأن الله قد حجب وجهه عنه؟! إنه الشعور بالإستجابة. يطلب الطلبة وهو واثق أن الله قد استجابها. بل هنا يتحقق قول الرب "ويكون أنى قبلما يدعون، أنا أستجيب. وفيما هم يتكلمون بعد، أنا أسمع" (أش 65: 24).

ذكرت كل هذا فى صلاة باكر كمجرد أمثلة...

+ + +.

أما فى صلاة الساعة الثالثة، فإنها تبدأ بمزمور الإستجابة (مز19) [20]:

"يستجيب لك الرب فى يوم شدتك، ينصرك إسم إله يعقوب".

ويكمل قائلاً "يرسل لك عوناً من قدسه، ومن صهيون يعضدك. يذكر جميع ذبائحك، ويستسمن محرقاتك. يعطيك الرب حسب قلبك، ويتمم كل مشورتك". ما أجمل هذه الكلمات يذكرها الإنسان فى صلاته، فيشعر بإستجابة الرب له قبل أن يتكلم..

+ + +.

وفى نفس المزمور يقول "الآن علمت أن الرب قد خلّص مسيحه، واستجاب له من سماء قدسه، بجبروت خلاص يمينه" كلمات مملوءة من العزاء والرجاء. يقول بعدها المصلى "استجب لنا يوم ندعوك"..

+ + +.

كذلك فى المزمور29 (30) من صلاة الساعة الثالثة، يقول:

صرخت إليك، فشفيتنى. أصعدت من الجحيم نفسى.

ويقول أيضاً "خلصتنى من الهابطين فى الجب"..

وحينما يستشعر الخطر ويقول "إليك يارب أصرخ وإلى إلهى أتضرع: أية منفعة فى دمى إذا هبطت إلى الجحيم؟! هل يعترف لك التراب أو يخبر بحقك؟!" فى التو يشعر بالاستجابة ويقول "سمع الرب فرحمنى. الرب صار لى عوناً. حولّت نوحى إلى فرح لى مزقت مسحى ومنطقتى سروراً. لكى ترتل لك نفسى ولا يحزن قلبى".

+ + +.

  • وفى المزمور 33 (34) يعلن هذه الاستجابة فيقول:
  • "طلبت إلى الرب فاستجاب لى، ومن جميع مخاوفى نجانى".

ويقول أيضاً "هذا المسكين صرخ، فاستمعه الرب. ومن جميع أحزانه خلّصه. يعسكر ملاك الرب حول كل خائفيه وينجيهم" ويقول أيضاً عن هذه الاستجابة: "الصديقون صرخوا، والرب استجاب لهم. ومن جميع شدائدهم نجاهم. قريب هو الرب من المنسحقى القلب، ويخلص المتواضعين بالروح. كثيرة هى أحزان الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب..".

وهنا يظهر استجابة الرب للحالة، حتى ولو لم يكن هناك طلب..

+ + +.

  • ننتقل إلى صلاة الساعة السادسة، فنلمح الاستجابة أيضاً:

أول مزمور فيها (مز53 [54]) يبدأ بعبارة "اللهم باسمك خلصنى.. فإن الغرباء قد قاموا علىّ، والأقوياء طلبوا نفسى، ولم يجعلوا الله أمامهم". وبعد ذلك مباشرة – فيما يعرفه عن استجابة الله – يقول "هوذا الله عونى، والرب ناصر نفسى.. أعترف لإسمك يارب فإنه صالح. لأنك من جميع الشدائد نجيتنى" وليس ستنجينى.

+ + +.

وفى المزمور التالى من نفس الساعة السادسة، مزمور 56 (57): يبدأ بعبارة "ارحمنى يا الله ارحمنى". وفى شعوره بالاستجابة يقول: "اصرخ إلى الله العلى، الإله المحسن إلىً. أرسل من السماء فخلصنى".

".. أرسل الله رحمته وحقه. وخلّص نفسى من بين الأشبال، إذ نمت مضطرباً.. حفروا قدام وجهى حفرة فسقطوا فيها".

+ + +.

وفى المزمور 60 (61) يقول "استمع يا الله طلبتى، إصغ إلى صلاتى. من أقاصى الأرض صرخت إليك عندما ضجر قلبى" إذ يشعر بالإستجابة يقول "أستظل بستر جناحيك. لأنك أنت يا الله استمعت صلواتى.. هكذا أرتل لاسمك إلى دهر الدهور، لأفى نذورى يوماً فيوماً. هللويا.

+ + +.

وفى مزمور 85 (86) يتغنى باستجابة الرب فيقول:

"فى يوم شدتى، إليك صرخت فأجبتنى".

"فليس لك شبيه فى الآلهة يارب. ولا من يصنع كأعمالك".

والله نفسه يقول فى مز90 (91) "لأنه إتكل علىّ فأنجيه. استره لأنه عرف إسمى. يدعونى فاستجيب له. معه أنا فى الشدة. أنقذه وأمجده، ومن طول الأيام أشبعه، وأريه خلاصى.

+ + +.

  • وفى صلاة الساعة التاسعة يرى المصلى أن استجابة صلواته قادته إلى محبة الله، فيقول فى المزمور 114 (115).
  • "أحببت لأن الرب سمع صوت تضرعى".

    "لأنه أمال أذنه إلىّ، فأدعوه كل أيامى".

+ + +.

  • وفى صلاة الغروب يقول فى مزمور 119 (120):

"إليك يارب صرخت فى حزنى، فاستجبت لى".

وما أكثر ما يتحدث فى هذه الصلاة عن إحسانات الله، ومعها العرفان بجميل الله، مما أرجو أن أذكره فيما بعد.

  • وبهذا العرفان بالجميل بسبب الاستجابة، يقول المصلى بالأجبية فى صلاة النوم، فى المزمور 137:
  • "أعترف لك يارب من كل قلبى، لأنك استمعت كل كلمات فمى".

    "إن سلكت فى وسط الشدة تحيينى. على رجز الأعداء مددت يدك وخلصتنى يمينك".



أضف تعليق

(7)الفرَح والتهليل فى صَلوات الأجبيَة

(5)صَلوات الأجبيَة أنشودة حُبّ

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات