الفصل الثالث: بين الغربة والأبدية والملكوت

هذا الفصل هو جزء من كتاب: المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج – القمص أشعياء ميخائيل. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الثالث: بين الغربة والأبدية والملكوت

أولاً: ضيق الغربة

  • غريب انا فى الأرض فلا تُخف عنى وصاياك (مز 119: 19).
  • ترنيمات صارت لى فرائضك فى بيت غربتى (مز 119: 54).
  • عرفنى يا رب نهايتى ومقدار أيامى كم هى. فأعلم كيف أنا زائل. هو ذا جعلت أيامى أشباراً وعمرى كلا شئ قدامك. إنما نفخة كل إنسان قد جعل. إنما كخيال يتمشى ا لإنسان (مز 39: 4 - 5).
  • لا تسكت عن دموعى لأنى أنا غريب عندك. نزيل مثل جميع آبائى (مز 39: 12).
  • كم هى أيام عبدك زائل. إلى أى باطل خلقت جميع بنى آدم؟ أى إنسان يحيا ولا يرى الموت؟ أى ينجى نفسه من يد الهاوية؟ (مز 89: 47 - 48).

لقد حدد الله هدف الإنسان ومسيرته، بالغربة فى هذا العالم، والمسير نحو الأبدية، وحين يغيب هذا الهدف وهذه الرؤية فإنما يحدث اختلالاً للإنسان:

  • وأيضاً جعل الأبدية فى قلبهم، التى بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذى يعمله الله من البداية إلى النهاية (جا 3: 11).
  • لأن الإنسان ذاهب إلى بيته الأبدى... (جا 12: 5).
  • وأنظر إن كان فىّ طريق باطل، واهدنى طريقاً أبدياً (مز 139: 24).
  • أفنينا سنيناً كقصة. أيام سنينا هى سبعون سنة، وإن كانت مع القوة فثمانون سنة، وأفخرها تعب وبلية، لأنها تقرض سريعاً فنطير (أى نذهب للأبدية) (مز 90: 9 - 10).

وما دام الهدف هو الأبدية، فإن هذا العالم غربة. ومشاعر الغربة مسّطرة فى سفر المزامير بشكل يلفت النظر جداً!! ومع أن داود كان ملكاً ورئيساً وحاكماً وتمتع بكل الغنى والرفاهية، إلا أن شعور الغربة لم يفارقه قط. وهكذا نحن حين نصلى المزامير فإن مشاعر الغربة تمل كياننا وعندئذ تفتح نافذة مشاعرنا على الأبدية.

وها نحن نطوف مع المزامير لنؤكد مشاعر الغربة فينا:

  • ويل لى فإن غربتى قد طالت على وسكنت فى خيام قيدار (مز 120: 5).

(قيدار كان من نسل اسماعيل وكان يسكن الخيام ويتنقل فى الصحراء).

  • صرت أجنبياً عند اخوتى (بالجسد) وغريباً عند بنى أمى (مز 69: 8).
  • غريب أنا فى الأرض. لا تخف عنى وصاياك (مز 119: 19).
  • الرب يحفظ الغرباء (مز 146: 9).
  • كيف نرنم ترنيمة الرب فى أرض غريبة (مز 137: 4).
  • الإنسان مثل العشب أيامه، كزهر الحقل كذلك يزهر، لأن ريحاً تعبر عليه فلا يكون. ولا يعرفه موضعه بعد (مز 103: 15 - 16).

إن الغربة إحساس داخلى فى أعماق الإنسان. حينما يشعر أنه يختلف عن باقى الآخرين الذين يعيشون حوله. وهذا الاختلاف يأتى أولاً من الهدف وثانياً من السلوك. إن أهل العالم يأكلون ويشربون ويتنعمون لأنهم غداً يموتون، أما أولاد الله فهم يستعدون للأبدية كل لحظة، بل يعيشون الأبدية هنا. ولذلك فإن سلوكهم يختلف عن سلوك أهل العالم باستمرار!!

والغريب لا يملك ولا يستقر ولا يهدأ ويستريح إلا حين تنتهى غربته. وما أقوى فرح الغريب برجوعه إلى وطنه. وهكذا عاش كل أبطال الإيمان بمشاعر الغربة هذه:

  • فى الإيمان مات هؤلاء اجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض (عب 11: 13).

ولأنهم أقروا بأنهم غرباء وختموا حياتهم بخاتم الغربة ولذلك:

  • فإن الذين يقولون مثل هذا يظهرون أنهم يطلبون وطناً... يبتغون وطناً أفضل أى سماوياً (عب 11: 16).

وأصبح هذا الوطن السماوى هو تأكيد الغربة ودليل على صحة مسلكهم حتى لو اتهمهم الآخرين بالجنون والخبل!! والغربة هى غربة الروح عن الجسد، وغربة الإنسان عن العالم الزائل، وغربة الفكر والمشاعر عن كل ما هو مرئى وزائل!! ولكن ما هى ترنيمة الغربة الغى يتحدث عنها داود النبى. إن ترنيمة الغربة هى الصلاة الربانية "ليأت ملكوتك" نحن نصليها كل يوم، بل كل حين، بل كل نفس نتنفسه نقول "ليأت ملكوتك".

إن مشاعر الغربة هى التى تقودنا إلى فرج الملكوت والأبدية.

وها نحن نحيا هنا بالإيمان والغربة، ولكن حين تنتهى الغربة فإننا نبدأ العيان والرؤيا والاستيطان!!

وهكذا فإن الإنسان المسيحى الحقيقى يحيا بمشاعر الغربة وها هو وعد الرب:

  • الرب يحفظ الغرباء (مز 146: 9).

إنه يحفظنا من واسع الأمل، وتسويف العمر باطلاً، ويجعلنا نفتدى الوقت لأن الأيام شريرة، وأن يكون لنا صلوات المزامير التى تثير فينا مشاعر الغربة لتقودنا نحو الصلاة من أجل فرح الملكوت والأبدية!!

ثانياً: فرج الأبدية

  • وأسكن فى بيت الرب إلى مدى الأيام (مز 23: 6).
  • واحدة سألت من الرب وإياها التمس أن أسكن فى بيت الرب كل أيام حياتى (مز 26: 4).
  • من طول الأيام أشبعه وأريه خلاصى (مز 91: 16).
  • حياة سألك فأعطيته. طول الأيام إلى الدهر والبد (مز 21: 4).

إن فرج الملكوت والأبدية، هو الفرج الحقيقى. فكل مشاكل الإنسان يتم حلها عندما ينطلق الإنسان من غربة هذا العالم لكى يحيا الأبدية السعيدة. وهكذا فإن مشاعر الغربة هى التى تقودنا إلى مشاعر الأبدية والوطن الحقيقى!!

وكثيراً ما يُعّير داود النبى عن مشاعر الأبدية بالسكنى فى بيت الرب إلى الأبد. ونستطيع أن نقول أن الكنيسة هى إعداد وتدريب على الأبدية!! حيث المسيح الحمل المذبوح، وحيث القديسين وأهل بيت الله، وحيث الملائكة والتسبيح، وحيث صلوات المؤمنين.

أليس هذا تدريب على الأبدية!! ونستطيع أن نقول أن الكنيسة وخاصة خلال الإفخارستيا هى نافذة تفتح لكى نطل منها على الأبدية!! وما طول الأيام إلا الأبدية!!

لأن المرنم داود يربط بين طول الأيام والخلاص فيقول:

  • من طول الأيام أشبعه وأريه خلاصى (مز 91: 16).

ولا يمكن أن يرتبط طول الأيام مع الخلاص إلا فى الأبدية والملكوت!!

إنها ليست مشاعر، ولكنها رؤية باطنية أحس بها القديس بولس الرسول حين قال:

  • ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى تُرى، بل إلى التى لا تُرى. لأن التى تُرى وقتية، وأما التى لا تُرى فأبدية (2كو 4: 18).
  • ونحن جميعاً (الرعاة والرعية التائبين) ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما فى مرآه، نتغير إلى تلك الصورة عينها (صورتنا فى الملكوت) من مجد إلى مجدن كما من الرب الروح (2كو 3: 18).
  • ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال انسان ما أعده الله للذين يحبونهن فأعلنه الله لنا نحن (الغرباء عن العالم) بروحه. لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله (1كو 2: 9 - 10).

هنا يكون اختبار الإعلان والرؤيا كمكافأة للغربة وضيقها، فيزداد الإنسان الروحى تمسكاً بغربته لكى يضمن استمرار الرؤية والإعلان. فيحيا الإنسان غريباً عن الأرض والناس ولكن شاهداً وفرحاً بمناظر الأبدية واستعلاناتها كل يوم!! أما السلوك، فهو سلوك خاشع، وسلوك زاهد، وسلوك مطابق للوصية.

  • غريب أنا فى الأرض فلا تُخف عنى وصاياك (مز 119: 19).

فالوصية التى ننفذها ونطبقها هى تأكيدة الغربة وفى نفس الوقت هى مفتاح لرؤية ومشاهدة الأبدية ومعاينتها ونحن مازلنا فى الجسد:

  • وصية جديدة أكتب إليكم، ما هو حق فيه وفيكم. إن الظلمة قد مضت، والنور الحقيقى الآن يضئ (1يو 2: 8).
  • نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة، لأننا نحب الأخوة (1يو 3: 14).

فالأبدية والملكوت ليست فلسفة أو معرفة، ولكن هى ترك العالم داخلياً وقلبياً والانتماء إلى المسيح، والإيمان به، وقبول أسرار الكنيسة للدخول فى الرعوية الإلهية ثم السلوك حسب الوصية لتأكيد الغربة وفتح الباب للمشاهدة والرؤية والمعاينة!!



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

الفصل الرابع : بين الكآبة والأبتهاج

الفصل الثانى: بين الفقر والعوز والخير والرحب

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات